يمضي الحوثيون في تصعيد تحركاتهم، واضعين السعودية، حليفة الولايات المتحدة، في مرمى نيرانهم. فمن معقلهم في اليمن، يشنّ الحوثيون المدعومون من إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المُسيّرة على المطارات والمنشآت النفطية والمواقع العسكرية السعودية، بالتزامن مع عرقلة حركة الملاحة البحرية السعودية عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي.
ويحثّ ولي العهد السعودي، الأمير (محمد بن سلمان)، الرئيس (دونالد ترامب) على تقديم المساعدة، بما في ذلك تنفيذ عمليات جوية مشتركة فوق اليمن. وبإمكان ترامب تقديم الدعم، لكن ليس من خلال شنّ حملة جوية أخرى غير مجدية ضد الحوثيين. فإذا كان ترامب يريد حقاً إبطاء تقدم الحوثيين، فعليه إطلاق تحرك دبلوماسي جاد وواقعي، بدلاً من مواصلة القصف، لمعالجة الخلافات بين حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، والتي تستغلها إيران والحوثيون لتحقيق أهدافهما.
وتكتسب هذه المسألة طابعاً ملحّاً. ففي 10 أكتوبر/تشرين الأول، أسفرت ضربة عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض. وعلى إثر ذلك، اضطرت السلطات السعودية إلى إلغاء مؤتمرها الاستثماري الأبرز، فيما تستعد المملكة لاحتمال تعرّضها لمزيد من الهجمات. وباتت هجمات الحوثيين، أكثر حتى من الحرب مع إيران، تهزّ الثقة بقدرة السعودية على توفير الأمن، وتلقي بظلالها على الخطط الاقتصادية الطموحة لولي العهد محمد بن سلمان.
وفي الوقت الراهن، تدعم الولايات المتحدة وشركاء السعودية الآخرون الجهود الدفاعية للمملكة، مع تجنّب التدخل المباشر في اليمن. ويبدو هذا الموقف الحذر في محله، إذ إن استئناف الضربات الجوية الأمريكية من شأنه، على الأرجح، أن يطيح بالهدنة الثنائية القائمة بين واشنطن والحوثيين منذ عام 2025. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام هجمات حوثية تستهدف الأفراد والمنشآت الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن احتمال تجدد الحرب الشاملة مع إيران.
وفي ظل الرفض الشعبي الواسع للحرب مع إيران، تمتلك إدارة ترامب دوافع قوية لتجنّب توسيع نطاق الحرب أو الانجرار إلى مواجهة مكلفة ومفتوحة الأمد في اليمن.
وليس من الواضح أيضاً ما إذا كانت الضربات الجوية الأمريكية التي يطالب بها محمد بن سلمان ستُحدث تحولاً في مسار المواجهة. فالحملات الجوية ضد الحوثيين لها حدودها، وقد سبق أن جرّبتها كل من السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، لكن بنتائج محدودة. ومن بين تلك المحاولات عملية «الفارس الخشن»، وهي حملة قصف أمريكية واسعة النطاق استمرت 52 يوماً في عام 2025، لكنها أخفقت في وقف الحوثيين عن مضايقة حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
وبطبيعة الحال، يمكن للحملات الجوية تدمير بعض أسلحة الحوثيين، وتعطيل اتصالاتهم، وتهديد قياداتهم. لكن الضربات الجوية، في غياب هجومٍ برّي فعّال واستراتيجية سياسية واضحة، لن تشكل تهديداً جوهرياً لسيطرة الحوثيين على جزء من الأراضي اليمنية، ولن تؤدي إلى تغيير سلوكهم. بل إن حملات القصف السابقة جاءت بنتائج عكسية عندما أسفرت عن مقتل مدنيين يمنيين، وأصبحت مادة لتعبئة الرأي العام ضد التدخل الأجنبي.
وبوسع الولايات المتحدة تقديم دعم يفوق بكثير ما يمكن أن يحققه القصف. فالدبلوماسية الحازمة والواقعية، وبتكلفة لا تتجاوز جزءاً يسيراً من تكلفة العمليات العسكرية، يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً. ومن شأن تحرك أمريكي منسق أن يساعد السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما شريكتان سابقتان تدهورت علاقاتهما بسبب الخلافات حول اليمن في وقتٍ سابق من هذا العام، على تجاوز خلافاتهما. ومن شأن ذلك أن يدعم القوات اليمنية المناهضة للحوثيين في التصدي لتقدمهم، ويمهد في نهاية المطاف لمسار سياسي يضع حداً للحرب اليمنية المتفاقمة.
ويكتسب التقارب السعودي الإماراتي أهمية محورية لعدة أسباب. إذ يمكن للإمارات أن توفر قدرات عسكرية وخبرات ميدانية بالغة الأهمية لدعم الهجوم البرّي. ومن بين حلفاء السعودية، تُعد أبوظبي الطرف الأكثر استعداداً وقدرة على الانخراط سريعاً مع القوات اليمنية على الأرض، بهدف تعزيز خطوط المواجهة في الجنوب، ودفع الحوثيين إلى الانسحاب من المناطق التي استولوا عليها على طول ساحل البحر الأحمر في سبتمبر/أيلول. فقد سبق للإماراتيين أن ساعدوا المقاتلين اليمنيين على إخراج القوات الحوثية من عدن عام 2015، واستعادة مساحات واسعة من ساحل البحر الأحمر خلال عامي 2017 و2018.
ومع ذلك، لا تقل أهمية التوافق السياسي عن أهمية التنسيق العسكري. فاختلاف أولويات السعودية والإمارات ورؤيتيهما لمستقبل اليمن يعكس الانقسامات داخل الحكومة اليمنية، ويسهم في الوقت نفسه في تعميقها، وقد شكّلت هذه الانقسامات مكسباً كبيراً للحوثيين. ومن شأن توصل السعودية والإمارات إلى اتفاق بشأن هدف عسكري قابل للتحقيق، ورؤية سياسية مشتركة لإنهاء الحرب في اليمن، أن يساعد أيضاً القوى اليمنية المناهضة للحوثيين على توحيد صفوفها.
وفي ظل الوضع الراهن، يبدو أن خليط القوى المناهضة للحوثيين في اليمن عاجز أو غير مستعد لتنسيق هجوم مضاد فعّال، فضلاً عن التوصل إلى رؤية مشتركة لليمن في مرحلة ما بعد الحرب. وهذا من شأنه أن يهيئ الظروف لمزيد من المكاسب الحوثية، ويمنح الحوثيين فرصة لفرض سلام المنتصر، بما يتيح لهم مواصلة ابتزاز السعودية وتهديد الاستقرار في منطقة حوض البحر الأحمر وما وراءها.
وسيتطلب التقريب بين السعودية والإمارات تقديم تنازلات صعبة من الجانبين. غير أن حجم المخاطر التي تهدد الأمن السعودي، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن الإماراتي، فضلاً عن الأمن الإقليمي والأمن البحري الأوسع نطاقاً، ينبغي أن يكون كافياً لدفع الطرفين إلى إنجاز ذلك. وربما بدأت بالفعل ملامح تقارب تدريجي في الظهور، من خلال اجتماعات رفيعة المستوى بين مسؤولين سعوديين وإماراتيين في أبوظبي والرياض. لكن من دون دعمٍ أمريكي، قد لا يكون هذا الانفراج في العلاقات كافياً، وقد يأتي متأخراً جداً، بما يترتب عليه من تداعيات عميقة تتجاوز حدود اليمن بكثير.
و قد لا تستطيع واشنطن فرض الاستقرار في اليمن أو ضمان أمن السعودية عن طريق القصف. لكنها تستطيع توظيف نفوذها الدبلوماسي للتقريب بين حليفتيها الخليجيتين اللتان تباعدت علاقاتهما، وتعزيز قدرات شركائهما اليمنيين، وتهيئة الظروف للتوصل في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية لا بد أن تشمل الحوثيين.
وبالنسبة إلى رئيس يبدو حريصاً على إبقاء الولايات المتحدة بمنأى عن الانخراط في حرب أخرى في الشرق الأوسط، فإن مساعدة الحلفاء على الاعتماد على قدراتهم لمعالجة تحدياتهم قد تكون الشكل الأكثر فاعلية والأقل تكلفة للقيادة الأمريكية.