غادر (مروان الحمادي)، البالغ من العمر 14 عاماً، والذي جرى تغيير اسمه حفاظاً على هويته، منزله في أحد الأحياء الهادئة بالعاصمة اليمنية صنعاء، لشراء بعض الاحتياجات المنزلية لوالدته، لكنه لم يعد.
وعلى مدى 40 يوماً، بحثت أسرته عنه دون جدوى. ثم تلقى والده اتصالاً من رقم مجهول. تعرّف على صوت ابنه، لكن الكلمات التي سمعها لم تكن متوقعة.
وقال مروان، بحسب رواية والده: «أبي، أنا في تعز. لقد أصبحت مجاهداً مع أنصار الله».
وعلمت الأسرة لاحقاً أن مروان يُزعم أنه اختُطف ونُقل إلى معسكر مغلق، حيث خضع لعملية تلقين أيديولوجي وتدريب عسكري، قبل إرساله للقتال في تعز. ولم يكن والداه على علم بتجنيده، ولم يمنحا موافقتهما عليه.
وتُعد حالة مروان واحدة من بين أكثر من 120 حالة لأطفال أفادت التقارير باختطافهم أو تجنيدهم أو وقوعهم في الأسر خلال المعارك الدائرة في اليمن، تناولها تحقيق أُعدّ لصالح موقع «ذا ميديا لاين».
و استناداً إلى مقابلات أُجريت مع أُسر الأطفال، ومعلومات جُمعت من السلطات المحلية والعاملين في القطاع الطبي ومصادر عسكرية في مأرب وتعز وعلى امتداد الساحل الغربي لليمن، تناول التحقيق الأساليب المختلفة التي يتبعها الحوثيون، المعروفون رسمياً باسم «أنصار الله»، لتجنيد الأطفال.
وتتعلق النتائج بالحالات التي جرى فحصها خلال التحقيق، ولا تمثل حصيلة شاملة لعمليات تجنيد الأطفال في مختلف أنحاء اليمن. كما قد تتداخل بعض الفئات الواردة في التقارير، ولم يتسنَّ التحقق بشكلٍ مستقل من جميع الروايات.
• أطفال يختفون.. وأسر تبحث عنهم
في صنعاء، تحدث (جابر المزناعي) عن رحلة البحث عن ابنه المفقود.
وقال: «أبحث عن طفلي منذ أكثر من أسبوعين. طبعنا مئات الإعلانات الخاصة بالعثور عليه، وعلقناها على الجدران وأعمدة الكهرباء وفي المستشفيات. كما أبلغنا الجهات الأمنية الرسمية باختفائه، ووجّهنا مناشداتٍ متكررة طلباً للمساعدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
لكن تلك المناشدات لم تلقَ أي استجابة. وقال المزناعي إنه علم في نهاية المطاف، عن طريق أحد أقاربه، بنقل ابنه من صنعاء إلى جبهات القتال في محافظة الحديدة، الواقعة على الساحل الغربي لليمن.
وفي كل من ريمة ووصاب وصنعاء، وثّق تحقيق «ذا ميديا لاين» أكثر من 19 حالة مُبلّغ عنها لأطفال، لا تتجاوز أعمار بعضهم 11 عاماً.
وعلى امتداد الحالات التي شملها التحقيق، أُبلغ عن اختطاف ما لا يقل عن 47 طفلاً دون علم أسرهم. وقال أقاربهم إنهم لم يعلموا بما حدث إلا بعد أن أتمّ الأطفال تدريبات أيديولوجية أو وصلوا إلى جبهات القتال وتمكنوا من التواصل مع ذويهم.
وتقدم إفادات قادة عسكريين، يقاتلون الحوثيين، منظوراً آخر بشأن تجنيد القُصّر.
حيث قال (عبد الفتاح بافاضل)، وهو قائد ميداني في ألوية العمالقة الجنوبية، لموقع «ذا ميديا لاين»، إن الأطفال كانوا من بين المقاتلين الحوثيين الذين أُسروا عقب هجماتٍ فاشلة في محافظة الحديدة وعلى امتداد جبهة الساحل الغربي.
وقدّر بافاضل أن عدد القُصّر الذين أُسروا خلال تلك العمليات بلغ العشرات، وربما المئات. وأوضح أن معظمهم تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عاماً، وأن كثيرين منهم كانوا قد تعرّضوا للاختطاف.
وزعم أن بعض الأطفال أُرسلوا في مقدمة القوات المهاجمة، واستخدموا دروعاً بشرية. كما وصف مشاهد انهيار أطفال في البكاء عقب وقوعهم في الأسر.
ولم يتسنَّ التحقق بشكلٍ مستقل من تقديراته وادعاءاته، التي تستند إلى إفادات قائد عسكري يقاتل الحوثيين.
• تهديدات تطال أسر الأطفال
في تعز، تشير إفادات أطفال أُسروا إلى أن الاختطاف ليس سوى جزء واحد من عملية التجنيد.
وقال قائد عسكري متمركز في جبهة تعز، عُرّف هنا بالاسم المستعار (سلطان الجابري) لأسباب أمنية، لموقع «ذا ميديا لاين»، إن القوات الحكومية أسرت أكثر من 34 طفلاً خلال اشتباكات وقعت أواخر سبتمبر/ أيلول.
وبحسب الجابري، أفاد بعض الأطفال بأنهم أُوهموا بأنهم سيقاتلون الأمريكيين والإسرائيليين، لكنهم وجدوا أنفسهم، بدلاً من ذلك، في مواجهة يمنيين آخرين.
وقال آخرون إن أصدقاءهم شجعوهم على الانضمام إلى الحوثيين. وأضاف القائد أن الأطفال كانوا يتلقون، في الغالب، تدريباتٍ عسكرية لمدة أسبوعين تقريباً قبل إرسالهم إلى جبهات القتال.
ووصف الجابري 13 حالة أُخذ فيها أطفال في البداية لتلقي التدريب دون علم أسرهم. وأُبلغ ذووهم لاحقاً بذلك، لكن الأطفال أُرسلوا رغم ذلك إلى ساحات القتال.
وأوضح الجابري أن أسر الأطفال في ست حالات لم تعلم بوصول أبنائها إلى جبهات القتال إلا بعد وقوعهم في أسر القوات الحكومية.
وتضمنت روايات أخرى تهديدات طالت أولياء أمور الأطفال ومشايخ القرى.
وأوضح الجابري أن بعض الأطفال أفادوا بتعرّضهم لضغوط دفعتهم إلى القتال، بسبب تهديد أسرهم بالعقاب في حال رفضهم. فيما كُلّف آخرون بمهام ميدانية تمهيدية، شملت التصوير ورصد المواقع وتحديدها قبل شن هجمات الحوثيين.
ووصف بافاضل حالة مماثلة لطفل أُسر، أفاد بأن والده تعرض للتهديد بالسجن الفوري ما لم ينضم الابن إلى الحوثيين.
كما تحدث مصدر عسكري في مأرب، طلب عدم الكشف عن هويته في حديثه إلى موقع «ذا ميديا لاين»، عن عشرات القُصّر الذين يُزعم أنهم اختُطفوا أو جُنّدوا أو تعرضوا لضغوط لحملهم على القتال، من خلال تهديد أقاربهم.
وأفادت تقارير بأن أطفالاً آخرين استُدرجوا عبر إغراءات مالية، شملت تقديم مبالغ نقدية وتوزيع نبتة القات، وهي أوراق منبهة واسعة الانتشار والاستهلاك في اليمن.
• الإكراه ومسألة الموافقة
حصل موقع «ذا ميديا لاين» أيضاً على إفادات بشأن وجود أطفال بين المقاتلين الذين أسرتهم قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على جبهتي مأرب والجوف.
ويرى (صدام محمد)، وهو صحفي متخصص في الشؤون السياسية، أن تجنيد الأطفال يعكس تزايد الضغوط على القوى البشرية المتاحة للحوثيين.
وقال لموقع «ذا ميديا لاين» إن عمليات الاختطاف والتهديدات الموجهة إلى أولياء أمور الأطفال تشير إلى أن الجماعة تسعى إلى تعويض النقص في صفوف مقاتليها من خلال استهداف ما وصفه بـ«الحلقة الأضعف في المجتمع».
وأوضح محمد أن أساليب التجنيد غالباً ما تتداخل فيما بينها، إذ تجمع بين الاختطاف المباشر، وتهديد الأُسر، والإغراءات المالية، والدعوات الأيديولوجية التي تقنع الأطفال بأنهم يستعدون لمواجهة أعداء أجانب.
وأضاف أن القائمين على التجنيد يستغلون أيضاً صغر سن الأطفال وحماسهم، من خلال تصوير المشاركة في القتال على أنها عمل بطولي.
وتجعل هذه الضغوط مسألة الموافقة أكثر تعقيداً، فالطفل الذي يبدو أنه يوافق على الانضمام إلى جماعة مسلحة قد لا يمتلك حرية حقيقية في الرفض، ولا سيما عندما تكون أسرته عرضة للتهديدات.
و من جانبه، قال الباحث (محمد عبد السلام) إن الحوثيين وسّعوا جهود التجنيد في المجتمعات الأكثر فقراً والأقل تعليماً، بما في ذلك ريمة و وصاب وعتمة.
وحذّر من أن الأطفال يتعرضون للمخاطر ليس فقط بصفتهم مقاتلين، بل أيضاً من خلال تكليفهم بأدوار مساندة، تشمل مراقبة الطرق، وجمع المعلومات، والعمل في نقاط التفتيش العسكرية.
• ما وثّقته الأمم المتحدة
أدرج الأمين العام للأمم المتحدة جماعة الحوثيين في قائمته السنوية للأطراف المسؤولة عن ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأطفال في النزاعات المسلحة، وذلك سنوياً منذ عام 2011. وأُدرجت الجماعة في البداية بسبب تجنيد الأطفال واستخدامهم، فيما وثّقت التقارير اللاحقة أيضاً عمليات قتل وإصابة أطفال، وهجمات استهدفت المدارس والمستشفيات.
وفي فبراير/ شباط 2024، أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأن ناشطين في اليمن وثّقوا عمليات تجنيد حوثية لأطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 13 عاماً، بما في ذلك حملات استندت إلى القتال الدائر بين إسرائيل والجماعات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة.
وفي تقريره السنوي بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة، الصادر بتاريخ 16 يونيو/ حزيران 2026، وثّق الأمين العام للأمم المتحدة تجنيد واستخدام 262 طفلاً في اليمن خلال عام 2025، وهي حالات جرى التحقق منها.
ونُسبت 127 حالة من هذه الحالات إلى الحوثيين، في حين نُسبت 135 حالة إلى القوات المسلحة اليمنية والقوات والجماعات المتحالفة معها.
كما أثار التقرير مخاوف بشأن المخيمات الصيفية التي يديرها الحوثيون، والتي يتعرض فيها الأطفال لمضامين وأنشطة ذات طابع عسكري.
ولم تتحقق الأمم المتحدة من أي حالاتٍ منفصلة لاختطاف أطفال في اليمن خلال عام 2025. وتعكس هذه النتيجة الحالات التي استوفت معايير التحقق المعتمدة لديها، ولا تعني بالضرورة عدم وقوع عمليات اختطاف.
وحذّرت المنظمة من أن القيود المفروضة على الوصول، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حالت دون أن تعكس النتائج الأممية النطاق الكامل للانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال.
وكان التقرير السنوي السابق قد وثّق تجنيد واستخدام 182 طفلاً في اليمن خلال عام 2024، من بينها 85 حالة نُسبت إلى الحوثيين.
وفي تقريرٍ منفصل بشأن اليمن، نُشر في مارس/ آذار 2025، وثّقت الأمم المتحدة تجنيد أو استخدام 564 طفلاً من قبل جماعات مسلحة وقوات عسكرية خلال الفترة الممتدة من عام 2021 إلى عام 2023.
ونُسبت 345 حالة من هذه الحالات إلى الحوثيين، فيما نُسبت 210 حالات إلى القوات الحكومية اليمنية والجماعات المتحالفة معها. وتراوحت أعمار الأطفال بين 8 و17 عاماً.
وتغطي هذه الأرقام التي تحققت منها الأمم المتحدة فترات زمنية مختلفة، ولا يمكن مقارنتها بصورة مباشرة بأعداد الحالات التي جمعها تحقيق موقع «ذا ميديا لاين».
• القانون الدولي والالتزامات التي لم تُنفَّذ
بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة، الذي يُعدّ اليمن طرفاً فيه، يتعين على الجماعات المسلحة المنفصلة عن القوات المسلحة التابعة للدولة الامتناع عن تجنيد أي شخص دون سن الثامنة عشرة أو استخدامه في الأعمال العدائية.
كما يحظر البروتوكول التجنيد الإجباري في القوات المسلحة الوطنية لمن هم دون سن الثامنة عشرة، ويلزم الدول باتخاذ جميع التدابير الممكنة لمنع أفراد قواتها المسلحة الذين لم يبلغوا هذه السن من المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية.
ويُعدّ تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
وفي أبريل/ نيسان 2022، وقّعت السلطات الحوثية في صنعاء خطة عمل مع الأمم المتحدة، تعهّدت بموجبها بمنع تجنيد الأطفال واستخدامهم.
ونصّ الاتفاق على حصر الأطفال دون سن الثامنة عشرة المنضوين في صفوف الحوثيين خلال ستة أشهر، والعمل على تسهيل الإفراج عنهم وإعادة إدماجهم في الحياة المدنية.
وعلى الرغم من هذا التعهّد، واصلت تقارير الأمم المتحدة اللاحقة توثيق حالات تجنيد الأطفال من قبل الحوثيين.
ودعت منظمة العفو الدولية الجماعة إلى وضع حد لتجنيد الأطفال دون سن الثامنة عشرة، والإفراج عن القُصّر المنضوين في صفوف قواتها.
كما حثّت الأمم المتحدة أطراف النزاع في اليمن على التعامل مع الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة باعتبارهم ضحايا بالدرجة الأولى، وضمان الإفراج عنهم وإعادة إدماجهم، وألا يُلجأ إلى احتجازهم إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة.
• مطالبة الحوثيين والحكومة اليمنية بالرد
في إطار التحقيق، تواصل موقع «ذا ميديا لاين» مع ممثل لإحدى الهيئات الحوثية المعنية بالتعبئة والتجنيد، طالباً منه الرد على الاتهامات المتعلقة باختطاف أطفال وإكراههم وإخضاعهم للتلقين الأيديولوجي، ثم الزجّ بهم في جبهات القتال.
كما طلب الموقع تعليق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بشأن الاتهامات المتعلقة بحالات اختطاف أطفال نُسبت إلى القوات المسلحة اليمنية والقوات والجماعات المتحالفة معها.
ولم يصدر أي رد عن ممثل الحوثيين أو الحكومة اليمنية حتى موعد نشر التحقيق.
وتقدم المقابلات التي أجراها التحقيق مع أسر الأطفال ومصادر عسكرية روايات عن ممارسات وثّقتها أيضاً منظمات دولية، إلا أن المسؤولية عن الحالات الفردية والنطاق الكامل لعمليات التجنيد الأخيرة لا يزالان غير متحقق منهما.
أما بالنسبة إلى الأطفال الذين وقعوا في الأسر خلال القتال، فلا تزال الأسئلة المتعلقة بكيفية معاملتهم والموعد الذي سيُفرج عنهم فيه دون إجابات. ولم يتمكن موقع «ذا ميديا لاين» من تحديد أماكن احتجاز جميع هؤلاء الأطفال، أو ما إذا كانت أسرهم قد أُبلغت بمصيرهم، أو موعد الإفراج المحتمل عنهم.
وفي نهاية المطاف، تمكّن والد مروان من سماع صوت ابنه، لكن المكالمة لم تحمل أي مؤشر إلى موعد عودة الطفل إلى منزله.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: