اندلعت الحرب مجددًا و بشكلٍ مفتوح في اليمن. ففي 4 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي (رشاد العليمي)، رسميًا إطلاق حملة جديدة ضد جماعة الحوثيين (أنصار الله). وجاء هذا الإعلان ردًا على هجوم حوثي متواصل، تمكنت خلاله الجماعة من السيطرة على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر جنوبًا، بما في ذلك المناطق الممتدة على طول باب المندب، كما استأنفت هجماتها بالصواريخ والطائرات المُسيّرة على السعودية، الداعم الرئيسي للحكومة اليمنية.
و قد شهد اليمن مثل هذا السيناريو من قبل. ففي عام 2015، أطلق التحالف الذي تقوده السعودية حملة عسكرية ضد الحوثيين، بهدف صدّ الجماعة على جبهات عدة في أنحاء البلاد وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًا إلى العاصمة صنعاء. واستمر القتال حتى عام 2018، عندما دخلت المعارك في حالة من الجمود، وبدأت الغارات الجوية السعودية تواجه انتقاداتٍ دولية متزايدة بسبب ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين. وفي نهاية المطاف، تعرضت القوات الموالية للحكومة، المدعومة من السعودية والإمارات، لضغوط من المجتمع الدولي لوقف هجومها على مدينة الحديدة الساحلية المطلة على البحر الأحمر، وذلك في إطار هدنة هدفت إلى حماية وصول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى السكان.
فما الذي يختلف في جولة التصعيد الجديدة هذه؟ وهل ستفضي إلى اختراق في الحرب الأهلية التي دخلت عامها العاشر في البلاد؟
يبدو أن عددًا من الأطراف الرئيسية باتت تتشارك تشخيصًا أساسيًا لمشكلة الحوثيين. فقد خلصت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والسعودية، والمجتمع الدولي، كلٌّ على حدة، إلى أن التهديد الذي تمثله الجماعة لا يمكن احتواؤه إلى أجل غير مسمى. إلا أنه لا يزال من غير الواضح في الوقت الراهن ما إذا كانت هذه الأطراف تتشارك أهدافًا مشتركة بشأن تجدد الحملة ضد الجماعة، أو ما إذا كانت ملتزمة بتوفير الموارد اللازمة لتحقيق تلك الأهداف.
والأهم من ذلك، وللمرة الأولى منذ اتفاق ستوكهولم عام 2018، تبدو السعودية مستعدة لفرض كلفة مستدامة على الحوثيين. فقد فشلت استراتيجية الرياض القائمة على احتواء الجماعة وتقديم تنازلات تتيح لها الخروج من الصراع. فعلى مدى سنوات، أجرت المملكة مفاوضات مع مسؤولين حوثيين، ووضعت «خارطة طريق» للسلام تتضمن حوافز اقتصادية وسياسية كبيرة، بهدف تشجيع الجماعة على إبرام السلام مع السعودية والدخول في مفاوضات مع خصومها اليمنيين، بحثًا عن تسوية مستدامة للنزاع. إلا أن المفاوضات لم تُفضِ إلى إبرام أي اتفاق.
واستغل الحوثيون فترة التهدئة التي أتاحها اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة عام 2018 لإعادة تنظيم صفوفهم، قبل أن ينقضوا الاتفاق ويشنوا هجومًا مضادًا في عام 2021. ثم جاء هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبه من بدء الحوثيين عملياتهم ضد حركة الملاحة في البحر الأحمر، ليجمّد المفاوضات السعودية-الحوثية. وخلال الأشهر الأخيرة، تخلّى الحوثيون عن الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، واستأنفوا هجماتهم على القوات الموالية للحكومة، إلى جانب شن هجمات استهدفت المصالح السعودية. ويبدو أن الرياض خلصت الآن إلى أن أي مستوى من التفاهم أو التنازلات لن يثني الحوثيين عن إبقاء السعودية تحت تهديد دائم.
كما أن التصعيد الأخير في اليمن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحرب الإقليمية الأوسع، التي تدور بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها ضمن «محور المقاومة» من جهة أخرى. وتمثل هجمات الحوثيين التي تستهدف السعودية، بما في ذلك منشآت الطاقة الحيوية، والتهديدات المتجددة للملاحة في البحر الأحمر، مصدر نفوذ استراتيجي لطهران، إذ تزيد منسوب عدم الاستقرار الذي تواجهه الرياض، وتفاقم حالة عدم اليقين التي تواجه الاقتصاد العالمي.
ونتيجة لذلك، يبدو أن تحول السعودية من سياسة الاحتواء إلى سياسة المواجهة يحظى بدعم سياسي من المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فضلًا عن التحالف الدفاعي الثلاثي الذي انضمت إليه الرياض مع باكستان وتركيا.
و في بعض أوساط الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ظلّت الرغبة في مواجهة الحوثيين وهزيمتهم قائمة منذ سنوات. فلطالما جادل هؤلاء بأن التهديد الذي تمثله جماعة الحوثيين لا بد في نهاية المطاف من التصدي له عسكريًا، إلا أن الانقسامات السياسية، والتنافس على الموارد والنفوذ، وغياب استراتيجية موحدة ومتماسكة، قوضت مرارًا مصداقية الحكومة المعترف بها دوليًا وقدراتها العسكرية. ويمكن عزو بعض هذه الانقسامات المستمرة منذ سنوات إلى التنافس السعودي-الإماراتي داخل اليمن، والذي استمر حتى مغادرة الإمارات البلاد في مطلع العام الجاري. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان زوال أحد مصادر الانقسام سيؤدي إلى قيام معارضة سياسية وعسكرية أكثر توحدًا وفاعلية في مواجهة الحوثيين.
وقد حققت القوات الموالية للحكومة، بدعم من الغارات الجوية السعودية، مكاسب بالفعل منذ إطلاق عملية «فجر اليمن» في 4 أكتوبر/تشرين الأول. لكن هزيمة الحوثيين لن تكون سهلة. فقد طورت الجماعة قدراتٍ عسكرية كبيرة، وإذا رأت أن بقاءها نفسه بات مهددًا، فإنها ستستخدم كل ما لديها من إمكانات. ولا تزال المعارك العنيفة مستمرة في تعز ولحج، في وقتٍ تحاول فيه القوات الموالية للحكومة وقف تقدم الحوثيين الهادف إلى عزل مدينة تعز عن المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرة الحكومة. غير أن الحفاظ على المكاسب الميدانية وشن هجمات مضادة سيتطلبان موارد مالية، والتزامًا سياسيًا، وإرادة حازمة، ولا سيما من الرياض، في حملة قد تطول.
و لا يمنح سجل السعودية في هذا الصراع مؤشرات تبعث على الثقة بامتلاكها القدرة على خوض حرب طويلة الأمد حتى نهايتها. وقد تتغير حسابات الرياض استجابةً لتطورات إقليمية أخرى، مثل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أو إحراز تقدم في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع. وقد تسعى الرياض إلى مخرج من الحرب إذا واصلت تكاليفها في التراكم والارتفاع. غير أن هذه التطورات المحتملة لا تغيّر حقيقة أن كثيرًا من اليمنيين العاديين قد ضاقوا ذرعًا بتكرار اضطراب حياتهم بسبب انعدام الأمن والنزوح والتدهور الاقتصادي، وباتوا يريدون تحركًا حاسمًا.
وقد يبدو الهدف الذي أعلنته الحكومة، والمتمثل في دحر الحوثيين في مختلف أنحاء البلاد وتحرير صنعاء، بعيد المنال في الوقت الراهن. إلا أن استعادة الأراضي التي خسرتها القوات الحكومية، ودفع الحوثيين إلى الخروج من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، من شأنهما أن يغيّرا بصورة جوهرية معادلات الصراع. كما أن وضع الحوثيين في موقف دفاعي على جبهات متعددة وفرض كلفة حقيقية عليهم قد يسهم في الحد من مطالبهم القصوى، ويكرّس الحكومة المعترف بها دوليًا بوصفها خصمًا أكثر مصداقية في نظر الحوثيين، وسلطة حاكمة أكثر شرعية في نظر المواطنين اليمنيين، والجهات الفاعلة الإقليمية، والمجتمع الدولي.
فقد عادت الحرب إلى اليمن. وما يزال السؤال المطروح هو ما إذا كانت القوات الموالية للحكومة قادرة على الوفاء بتعهدها باستعادة السيطرة على البلاد، وما إذا كانت السعودية ستدعمها في هذا المسعى، أو ما إذا كان أيٌّ منهما سيتمكن من دفع الحوثيين إلى التفاوض بشأن تسوية للصراع.
لطالما عانى التحالف المناهض للحوثيين من تباين ولاءات وأهداف مكوناته، وكانت النتيجة استمرار تنامي التهديد الذي تمثله الجماعة. وإذا لم تتحرك هذه الأطراف بصورة منسقة للحد من هذا التهديد، فإن دورات جديدة من الصراع ستتوالى، وسيعود اليمن والمنطقة إلى دوامة العنف والخوف من العنف التي تخيم عليهما اليوم.