تنتهج الحكومة الروسية سياسة تقوم على اللعب على مسارين في الحرب اليمنية المتجددة، إذ تعلن رسميًا دعمها لمجلس القيادة الرئاسي، المعترف به دوليًا والمدعوم من السعودية، بينما تعمل في الوقت نفسه على توطيد علاقاتها مع الحوثيين.
ويتيح هذا النهج لروسيا الحفاظ على علاقاتها مع الحكومة اليمنية المعترف بها، بالتوازي مع توسيع نفوذها لدى الحوثيين، بما يتيح لها ترسيخ موقعها للاستفادة استراتيجيًا من حالة عدم الاستقرار الإقليمي وتأثيراتها في أسواق الطاقة العالمية.
وفي الوقت الذي تتواتر فيه تقارير عن احتمال تقديم روسيا دعمًا للحوثيين، يُزعم أنه يمر عبر إيران، ظل الموقف الدبلوماسي العلني للكرملين داعمًا بصورة واضحة للسعودية، في وقتٍ كثّفت فيه الجماعة المدعومة من إيران هجماتها على المملكة وتقدمت في منطقة البحر الأحمر.
وأكد وزير الخارجية الروسي (سيرغي لافروف) هذا الموقف في 8 سبتمبر/أيلول، خلال زيارة وزير الخارجية السعودي (فيصل بن فرحان) إلى موسكو. ووصف لافروف هجمات الحوثيين على أهداف مدنية في السعودية بأنها «غير مقبولة» و«تأتي بنتائج عكسية».
وفي 22 سبتمبر/أيلول، أجرى الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) اتصالًا هاتفيًا بولي العهد السعودي الأمير (محمد بن سلمان)، شدد خلاله الجانبان على ضرورة ضمان حرية الملاحة عبر مضيقي باب المندب وهرمز، وعلى تهيئة الظروف لإطلاق حوار يمني-يمني بنّاء برعاية الأمم المتحدة.
وفي 25 سبتمبر/أيلول، اختتم لافروف سلسلة لقاءاته التي عقدها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بإجراء محادثات مع (عبدالله العليمي باوزير)، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني المدعوم من السعودية، تركزت على أهمية تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع.
و على الرغم من الموقف العلني المتزايد دعمًا لموسكو تجاه السعودية، تشير تقارير إلى وجود علاقة موازية وأكثر غموضًا بكثير مع الحوثيين، بما في ذلك مزاعم عن تقديم روسيا مساعدات تمر عبر إيران. وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بأن روسيا زوّدت الحوثيين ببيانات أقمار اصطناعية لتحديد الأهداف، نُقلت إليهم عبر أعضاء في الحرس الثوري الإيراني، لمساعدتهم على استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر. وأشار التقرير إلى أن موسكو كانت تسعى إلى تحميل الغرب كلفة، وإظهار قدرتها على توسيع نطاق الضغوط إلى ما هو أبعد من أوكرانيا.
ويساعد هذا النهج القائم على مسارين متوازيين في تفسير سبب عدم نجاح تنامي الاتصالات الروسية-السعودية في تبديد المخاوف داخل الأوساط الدبلوماسية الغربية بشأن علاقة موسكو بالحوثيين. إذ تستطيع روسيا الحفاظ علنًا على علاقات وثيقة مع الرياض، ودعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع في اليمن، بينما تقوم في الوقت نفسه، وفقًا لهذه التقارير، بتوظيف علاقتها مع إيران لتعزيز القدرات العسكرية للحوثيين.
ويبدو أن النهج الذي تتبعه موسكو تجاه اليمن تحركه أيضًا قيود دبلوماسية. فنظرًا إلى أن انخراط روسيا الإقليمي، بما في ذلك خططها لاستعادة حضورها الدبلوماسي في عدن، يعتمد على الاعتراف بالحكومة المدعومة دوليًا، فإنها تنسجم رسميًا مع مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من السعودية. وبالتالي، فإن دعمها العلني للحكومة ودعواتها المتكررة إلى التوصل إلى تسوية سياسية تعكس، بدرجة أكبر، الاعتبارات القانونية والمؤسسية منها تأثيرًا حاسمًا على الأرض.
•جذور راسخة في اليمن
أفضت العلاقات التاريخية الممتدة بين اليمن والاتحاد السوفييتي إلى إقامة موسكو علاقات مع مختلف أطياف المشهد السياسي في البلاد. وبعد انهيار مؤتمر الحوار الوطني عام 2014، نظر الحوثيون وأنصار الرئيس اليمني السابق (علي عبدالله صالح) وفصائل أخرى إلى روسيا باعتبارها طرفًا محتملًا للوساطة. إلا أن موسكو اختارت بدلًا من ذلك أن تجعل الشرعية الرسمية للدولة محور سياستها، فدعمت الرئيس الانتقالي (عبد ربه منصور هادي).
ومع فقدان هادي السيطرة وفراره من البلاد، أدى الدعم الروسي له إلى إضعاف مكانة موسكو لدى الفصائل الأخرى. ومع ذلك، اتبعت موسكو نهجًا يقوم على التحوط، إذ اعترفت بحكومة هادي، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قنوات اتصال مع الحوثيين وصالح.
وتراجعت تلك العلاقات بعد مقتل صالح عام 2017 ونقل روسيا سفارتها من صنعاء، لكن الاتصالات مع الحوثيين استمرت. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تعمقت العلاقات، مع إعلان الحوثيين دعمهم لموسكو واعترافهم بما أطلقت عليه روسيا من جانب واحد اسم «جمهوريتي دونيتسك ولوجانسك الشعبيتين». لكن بحلول عام 2026، عادت اللهجة الرسمية الروسية إلى التركيز على الانخراط مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في ظل سعي موسكو إلى الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج.
وقال مصدر دبلوماسي في موسكو لـ«المونيتور»: «من الأهمية بالنسبة إلى موسكو ألا تؤدي سياسة الموازنة التي تنتهجها في اليمن إلى الإضرار بعلاقاتها مع اللاعبين الخليجيين الرئيسيين، أي الإمارات العربية المتحدة والسعودية».
وأضاف المصدر: «ولهذا تحديدًا، تعمل الدبلوماسية الروسية على ضمان ألا يبدو موقفها من اليمن موجهًا ضد الملكيات العربية، إذ إن أي دعم علني للحوثيين سيعني خسارة العلاقات مع السعودية والإمارات العربية المتحدة».
•ما الذي تريده روسيا؟
قال دبلوماسي روسي آخر لـ«المونيتور» إن بعض المسؤولين في موسكو يرون أن الحوثيين قد يكونون بصدد تصعيد تحركاتهم بهدف رفع كلفة العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما قد يتيح لروسيا فرصة لتقديم نفسها وسيطًا والدفع نحو خفض التصعيد. غير أن الدبلوماسي حذّر من أن التوقعات بشأن قيام روسيا بهذا الدور قد تكون مبالغًا فيها.
ووصف مصدر دبلوماسي ثالث مطلع على اتصالات روسيا بشأن اليمن موقف موسكو بأنه ملتبس عمدًا. وقال المصدر إن الممثلين الروس يدينون، خلال المناقشات الخاصة مع المسؤولين السعوديين، تحركات الحوثيين حفاظًا على العلاقات مع الرياض. أما علنًا، فتُبقي موسكو انتقاداتها للحوثيين محدودة، تفاديًا للإضرار بعلاقاتها مع إيران.
ولم يستبعد المصدر احتمال حصول الحوثيين على مساعدات محدودة عبر قنوات استخباراتية روسية، لكنه رأى أن أي دعم من هذا النوع كان من المرجح أن يكون هدفه إظهار القدرات أكثر من كونه جزءًا من استراتيجية عسكرية أوسع.
وبحسب المصدر، تُقارن أحيانًا مكانة روسيا في اليمن بموقف عُمان، إذ واجه البلدان اتهامات بدعم الحوثيين، في الوقت الذي حافظا فيه على قنوات اتصال مع أطراف متعددة في الصراع. وقال المصدر إن الأولوية بالنسبة إلى موسكو تتمثل في إعادة الأطراف إلى المسار السياسي، والحفاظ على قناة دبلوماسية لخفض التصعيد، وحماية حركة السفن المدنية عبر مضيق باب المندب، ودعم حوار وطني بقيادة الأمم المتحدة.
ويساعد ذلك في تفسير نهج روسيا القائم على الموازنة: طمأنة الرياض من خلال الانخراط العلني مع مجلس القيادة الرئاسي، مع الإبقاء في الوقت نفسه على اتصالات أكثر هدوءًا مع الحوثيين والفصائل الجنوبية.
•وهم الأرباح النفطية
أوجد التصعيد في البحر الأحمر والاضطرابات التي طالت إمدادات النفط في الشرق الأوسط ظروفًا مواتية لمصدّري الخام الروس، ومن بينهم روسنفت ولوك أويل، إذ أسهم ارتفاع الأسعار العالمية واستمرار الطلب الآسيوي في دعم عائدات الصادرات. لكن استفادة الاقتصاد الروسي وميزانية الدولة من ذلك أقل وضوحًا بكثير.
ولم تتمكن روسيا من الاستفادة بالكامل من ارتفاع أسعار النفط، بسبب تزايد تأثير هجمات الطائرات المُسيّرة الأوكرانية على قطاع التكرير لديها. فقد انخفضت إيرادات الموازنة الروسية من النفط والغاز بشكلٍ حاد في أغسطس/آب، كما تراجعت صادرات المنتجات النفطية المكررة. ووفقًا لرويترز، خفّضت نصف أكبر ست مصافٍ روسية لإنتاج الديزل إنتاجها بشكلٍ كبير أو أوقفت بعض عملياتها في سبتمبر/أيلول، عقب هجمات بطائرات مُسيّرة.
والنتيجة هي مشهد متباين: فارتفاع أسعار الخام يمكن أن يعزز عائدات المصدّرين الروس وإيراداتهم من العملات الأجنبية، لكن الأضرار التي لحقت بالمصافي، وتراجع صادرات المنتجات النفطية، وارتفاع تكلفة دعم سوق الوقود المحلية، كلها عوامل تحدّ من جزء من هذه المكاسب.
ويعقّد ذلك فرضية أن تحقيق الأرباح هو ما يدفع سياسة موسكو تجاه اليمن. فقد تستفيد روسيا من اضطرابات البحر الأحمر وارتفاع أسعار النفط، لكن من المرجح أن تكون هذه المكاسب نتيجة للأزمة أكثر منها سببًا وراء نهج الكرملين تجاه الحوثيين.