تحليل: تصاعد هجمات الحوثيين يضع السعودية وأمريكا أمام معضلة العودة إلى حرب اليمن
يمن فيوتشر - ريسبونسبل ستيتكرافت - محمد نبيل عبدالقادر - ترجمة خاصة : السبت, 12 سبتمبر, 2026 - 09:17 مساءً
تحليل: تصاعد هجمات الحوثيين يضع السعودية وأمريكا أمام معضلة العودة إلى حرب اليمن

هذا الأسبوع، وبعد شنِّ سلسلة غير مسبوقة من الهجمات على السعودية، أطلق الحوثيون هجومًا واسع النطاق في اليمن، وتمكنوا من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي على طول ساحل البحر الأحمر. وقد دفعت هذه التطورات المتسارعة الحرب في اليمن مجددًا إلى الواجهة الإقليمية، مهددةً حركة الملاحة في البحر الأحمر، ودافعةً بالحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمعترف بها دوليًا إلى موقف دفاعي حرج.
وجاء هذا التحول السريع في موازين القوى بعد أيام قليلة فقط من إعلان الحكومة حملةً لاستعادة صنعاء، عاصمة اليمن، في ظل تصعيد أوسع نطاقًا في وتيرة القتال في أنحاء البلاد.
وكانت هدنة عام 2022 قد أسهمت في خفض حدة المعارك واسعة النطاق، وأتاحت للسعودية الابتعاد نسبيًا عن الصراع، لكنها أبقت العاصمة تحت سيطرة الحوثيين، ولم تفعل شيئًا لإرساء سيطرة مركزية على البلاد أو وضع الأسلحة الثقيلة تحت سلطة موحدة.
والآن، ومع تقدم الحوثيين بسرعة نحو معاقل الحكومة في الجنوب، يسابق الجيش اليمني الزمن لإعادة تنظيم صفوفه وتحقيق تقدم في هجومه المخطط له في الشمال. ويطرح ذلك سؤالًا رئيسيًا: هل ستتدخل السعودية والولايات المتحدة وقوى أخرى لمساعدة الحكومة على كبح التقدم السريع للحوثيين؟

• مواجهة حاسمة

قال اللواء الركن (سمير الصبري)، مساعد وزير الدفاع اليمني للتعاون الدولي، يوم الاثنين، إن العمليات ستمتد من مأرب والجوف إلى البيضاء وتعز والساحل الغربي. وقد يؤدي الضغط على الحوثيين عبر عدة جبهات إلى إجبارهم على تشتيت مقاتليهم ومواردهم، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه عن مواطن الضعف داخل القوات المناهضة للحوثيين.
فهذه القوات لا تعمل جميعها ضمن هيكل عسكري موحد؛ إذ يرتبط بعضها مباشرة بالحكومة، بينما يرتبط بعضها الآخر بمراكز قوى محلية أو بجهات إقليمية داعمة ذات أولويات مختلفة. وسيتطلب التقدم نحو صنعاء تأمين خطوط إمداد آمنة، وتوفير معلومات استخباراتية موثوقة، وتحقيق التنسيق بين مختلف القيادات، والتوصل إلى تفاهمات مع القبائل، إلى جانب وضع خطة لإدارة المناطق التي تنتقل السيطرة عليها من طرف إلى آخر.
ويقول رئيس مجلس القيادة الرئاسي (رشاد العليمي)، إن الحكومة لا تطلب من الدول الأجنبية خوض الحرب نيابةً عن اليمن. ومع ذلك، استأنفت السعودية بعض غاراتها الجوية على مواقع للحوثيين قرب صنعاء، كما طلب ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان) من الولايات المتحدة شنّ غارات جوية خاصة بها، وفقًا لما أوردته أكسيوس، إلا أن واشنطن رفضت الطلب حتى الآن.
وأفادت الجزيرة بأن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا شنت غارات جوية على أهداف للحوثيين على امتداد الساحل، في محاولة لإبطاء تقدم الجماعة، إلا أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات تُذكر على أن هذه الضربات تُحدث تأثيرًا في الهجوم الحوثي.

 

•عندما تجاوزت الحرب الحدود

أدى عودة الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية إلى رفع مستوى المخاطر والتصعيد. ففي 8 سبتمبر/ أيلول، أُطلقت صواريخ باليستية وطائرات مُسيّرة باتجاه أبها وخميس مشيط وجازان ونجران.
وقال الحوثيون إنهم استهدفوا قاعدة جوية ومنشآت نفطية، فيما أفادت السلطات السعودية بوقوع إصابات بين المدنيين وتعطل العمل في بعض المنشآت. وفي يوم الجمعة، ظهرت تقارير عن تصاعد الدخان بالقرب من خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب، الذي يوفر منفذًا حيويًا لتصدير النفط السعودي في ظل استمرار الإغلاق إلى حد كبير في مضيق هرمز. وبحسب الحكومة العراقية، فإن الهجوم على خط الأنابيب انطلق من العراق وليس من اليمن.
وبالنسبة إلى الرياض، فإن هذا التصعيد يعيد فتح ملف أمضت سنوات في محاولة احتوائه. فقد أظهرت التجربة التي أعقبت عام 2015 أن التفوق الجوي قادر على إلحاق أضرار بالأهداف العسكرية، لكنه لا يفضي بالضرورة إلى تحقيق نتيجة سياسية مستقرة. ولذلك خفّضت السعودية تدريجيًا انخراطها المباشر في الحرب، بعدما تبين أن تكاليفه مرتفعة، في حين كانت عوائده الاستراتيجية محدودة.
و يصبح من الصعب على الرياض الاستمرار في هذا النهج إذا واصلت الصواريخ والطائرات المُسيّرة عبور الحدود. فأي ضربة تُلحق أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية للطاقة قد تدفع السعودية إلى رد أقوى وأكثر حزمًا. وعندها، سيصبح الردع بالنسبة إلى الرياض بأهمية سياستها تجاه اليمن.
ويجعل باب المندب هذه المشكلة أكثر حساسية، لأن عدم الاستقرار فيه يؤثر في أطراف تتجاوز تداعياته اليمن والسعودية بكثير. فالمضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد شريانًا حيويًا للتجارة الدولية وتدفقات الطاقة.
وقد قال الحوثيون إن القيود التي يفرضونها تستهدف السفن السعودية، وإن بإمكان السفن الأخرى المرور. غير أن شركات الشحن وشركات التأمين تتسم بدرجة عالية من التحفظ تجاه المخاطر، وقد تحجم عن المرور في مياه متنازع عليها أو تشهد مواجهات. وبالتالي، فإن تنامي نفوذ الحوثيين على امتداد الساحل قد يمنح الولايات المتحدة والدول الأوروبية مبررًا إضافيًا للانخراط بصورة أكبر في اليمن.

 

•هل ستنضم واشنطن والرياض إلى الحرب بشكلٍ مباشر؟

تتعامل الولايات المتحدة مع الصراع من منظور استراتيجي محدود. فواشنطن تريد حماية الأراضي السعودية، والحد من تهديد الصواريخ والطائرات المُسيّرة، وتقييد تدفق الأسلحة، والإبقاء على طرق الملاحة البحرية مفتوحة. أما الحكومة اليمنية فتسعى إلى هدف أوسع نطاقًا، يتمثل في تغيير موازين القوى الداخلية واستعادة سلطة الدولة على الأراضي والأسلحة.
وسيمثل هذا التباين عاملًا حاسمًا في تحديد مدى اتساع نطاق الدعم الأجنبي، في ظل التحولات السريعة على خطوط المواجهة.
وبإمكان واشنطن توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية السعودية، وزيادة المراقبة البحرية، ودعم جهود اعتراض شحنات الأسلحة، وفرض العقوبات، من دون أن تؤيد حملة عسكرية شاملة باتجاه صنعاء.
ومن المرجح أن تفضل السعودية نهجًا انتقائيًا مماثلًا. إذ تستطيع الرياض تقديم الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي للقوات الحكومية، بالتوازي مع تعزيز دفاعاتها الخاصة، وتجنب مستوى التدخل العسكري المباشر الذي شهدته المراحل السابقة من الحرب.
ويزيد العامل الإيراني من تعقيد هذه الحسابات. فطهران تنفي سيطرتها على قرارات الحوثيين، في حين تتهمها حكوماتٍ غربية وإقليمية بتزويد الجماعة بالأسلحة والتكنولوجيا والمساعدة العسكرية. وحتى إذا احتفظ الحوثيون بقدرٍ كبير من الاستقلالية في اتخاذ قراراتهم، فإن قدرتهم على تهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر تمنح إيران ورقة نفوذ استراتيجية.
أما القوى الكبرى الأخرى، فستنظر إلى الصراع أساسًا من منظور مصالحها الخاصة. فالصين تريد ضمان أمن حركة التجارة البحرية، بينما أدانت بريطانيا وفرنسا الهجمات، مع دعمهما في الوقت نفسه لمسار سياسي تقوده الأمم المتحدة. ولا تبدو لأي من هذه القوى مصلحة واضحة في تحمل مسؤولية الحرب الداخلية في اليمن.
و قد يتغير موقف هذه القوى إذا أصبح مضيق باب المندب غير آمن بصورة مستمرة. وعندها سيكون من الأسهل تبرير توسيع الدوريات البحرية، وتشديد العقوبات، وتقديم مساعدات دفاعية إضافية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. أما دعم هجوم بري واسع النطاق، فسيظل مرهونًا بما سيحدث بعد تحقيق المكاسب العسكرية.
فإذا عجزت الحكومة اليمنية عن إثبات قدرتها على إدارة المناطق المستعادة، ودمج القوات الأمنية، واستعادة الخدمات الأساسية، والحد من الخلافات بين حلفائها، فقد ترى القوى الخارجية أن الاحتواء يظل خيارًا أقل مخاطرة من دعم تحول عسكري واسع النطاق من دون وجود تصور سياسي واضح للمرحلة التي ستلي انتهاء العمليات العسكرية.
ولهذا، فإن التطور المرجح على المدى القريب هو صراع ممتد أكثر من كونه تقدمًا سريعًا نحو صنعاء. فقد يتصاعد القتال على عدة جبهات، وتواصل الصواريخ والطائرات المُسيّرة الحوثية الضغط على السعودية، وقد تتزايد الانتشارَات البحرية وتتوسع العقوبات، من دون أن يؤدي ذلك إلى حسمٍ عسكري.
لكن هذا المسار قد يتغير سريعًا بطبيعة الحال إذا تمكن الحوثيون من ترسيخ مكاسبهم على امتداد ساحل البحر الأحمر، الأمر الذي سيخلق تهديدًا مستدامًا لحركة الملاحة البحرية.
و لا تريد السعودية العودة إلى حرب مفتوحة بلا أفق زمني أو نهاية واضحة. ولا تريد واشنطن الدخول مجددًا في التزام عسكري كبير في الشرق الأوسط. وتسعى الأمم المتحدة إلى الحفاظ على مسار سياسي للتسوية. أما الحكومة اليمنية فتريد دعمًا أقوى من دون التخلي عن هدفها المتمثل في استعادة سلطة الدولة. و في المقابل، يريد الحوثيون إثبات أن الضغط عليهم يمكن أن يفرض تكاليف تتجاوز حدود اليمن.
ويبقى السؤال المحوري هو: ماذا سيحدث داخل الأراضي السعودية وفي محيط باب المندب؟ 
فإذا استمرت الهجمات هناك واتسع نطاقها، فقد تنخرط واشنطن والرياض وقوى أخرى في الحرب بصورة أكثر مباشرة، بما يتجاوز الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة خلال إدارة بايدن وفي الأيام الأولى من إدارة ترامب.
وقد يؤدي مثل هذا التحول إلى تحويل الحرب في اليمن إلى جبهة رئيسية في أتون التصعيد المتنامي الذي بات يلتهم أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.


التعليقات