تحليل: الصراع يمتد من هرمز إلى باب المندب..ماذا يعني خنق شريان الحياة الثاني؟
يمن فيوتشر - سي ان ان: الجمعة, 11 سبتمبر, 2026 - 09:00 مساءً
تحليل: الصراع يمتد من هرمز إلى باب المندب..ماذا يعني خنق شريان الحياة الثاني؟

شكّل الممر المائي الضيق الواقع عند مدخل البحر الأحمر، بين اليمن وجيبوتي، منفذًا حيويًا لجزء كبير من نفط الشرق الأوسط، إلا أن هذا الشريان الحيوي بات الآن يواجه وضعًا متزايد الهشاشة.
فعلى مدى أسابيع، دأب المتمردون الحوثيون في اليمن -المدعومون من إيران- على تهديد حركة الملاحة في مضيق باب المندب، في محاولة لفتح جبهة جديدة في الحرب الدائرة بين طهران وواشنطن، والتي دخلت الآن شهرها السابع.
وفي غضون الساعات الثماني والأربعين الماضية، أحكم الحوثيون قبضتهم بشكل كبير على مسار الشحن البحري، حيث استولوا على مدينة المخا الساحلية، وكذلك -وفقًا لمصادر حكومية يمنية- على جزيرة "بريم" الاستراتيجية الواقعة في قلب هذا الممر البحري الضيق والحساس.
لطالما كان المضيق شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، لكن أهميته تزايدت بشكل ملحوظ منذ أن أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران فعليًا إلى إغلاق مضيق هرمز القريب.
وفي الأشهر الماضية، استخدمت المملكة العربية السعودية هذا المضيق لتصدير ملايين البراميل من نفطها. وفي حال تعذر استخدام مضيق باب المندب، ستنخفض كميات النفط التي يمكنها الخروج من المنطقة، كما ستضطر الناقلات لسلوك مسارات أطول بكثير، مما يؤدي إلى تأجيج التضخم الاقتصادي نتيجة إضافة فترات تأخير وتكاليف إضافية إلى أسعار الشحن المرتفعة أصلًا.
وقال ريتشارد برونز، الشريك المؤسس لشركة Energy Aspects، المتخصصة في بحوث أسواق الطاقة، لشبكة CNN، إن "باب المندب كان بمثابة شريان حياة. وفقدان هذا الشريان جرس إنذار لسوق النفط، كاشفًا عن مدى عدم استدامة الوضع الراهن".
قبل اندلاع الحرب، كان يعبر مضيق هرمز يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط، وهو ما يمثل حوالي خُمس الإمدادات العالمية. وعقب إغلاق ذلك الممر المائي، بدأت المملكة العربية السعودية في تغيير مسار النفط الخام ليمر عبر خط أنابيب "شرق-غرب"، وتفريغ الشحنات في ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر.
وقال ريتشارد برونز، إن صادرات الخام من ينبع بلغت ذروتها عند نحو 4.5 مليون برميل يوميًا، حيث كانت النسبة الأكبر منها -أي حوالي 3 ملايين برميل يوميًا- تخرج عبر مضيق باب المندب.
وأضاف برونز أن تدفقات الخام السعودي عبر باب المندب "انهارت" لتصل إلى حوالي 400 ألف برميل يوميًا في شهر أغسطس/آب بسبب التهديدات الحوثية، وهي الآن عند مستويات أدنى من ذلك. 
لتجنب المضيق، تضطر العديد من شحنات النفط إلى سلك مسار أطول بكثير وأكثر تعقيدًا للوصول إلى آسيا، إذ يتعين عليها الصعود من البحر الأحمر عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط، ثم النزول بمحاذاة الساحل الغربي لإفريقيا والدوران حول طرفها الجنوبي، وعبور المحيط الهندي، وهي رحلة شاقة تضيف نحو شهر إلى زمن النقل وتؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن.
وقال برونز: "لقد رأينا العديد من المصافي في آسيا تسعى لإيجاد بدائل، مما دفعها لرفع عروض الأسعار لشراء شحنات النفط من مناطق أخرى، وهذا هو المحرك الرئيسي للارتفاع الحاد في أسعار النفط".
ساهمت الأنباء التي أفادت باستيلاء الحوثيين على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر في دفع أسعار النفط للارتفاع الصاروخي، الخميس، إذ صعد كل من خام برنت (المعيار العالمي) وخام غرب تكساس الوسيط (المعيار الأمريكي) بأكثر من 7% ليصل سعرهما إلى 108 دولارات و103 دولارات للبرميل على التوالي، مسجلين بذلك أعلى مستوياتهما منذ شهر مايو/آيار.
وأوضح يوهانس راوبال، كبير محللي النفط الخام في شركة "كبلر" (Kpler)، المتخصصة في بيانات حركة التجارة العالمية، أن تضافر عدة عوامل، تمثلت في اضطرابات الشحن في البحر الأحمر، وخفض السعودية لإنتاج النفط، والهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية، قد دفع أسعار النفط العالمية لتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل.
وقال لشبكة CNN: "في ظل غياب حل سريع واستمرار هذه الاضطرابات، تجد شركات التكرير نفسها مضطرة بشكل متزايد لتأمين كميات إضافية من الخام، مما يدفع أسعار الخام إلى الارتفاع".
يُستخدم النفط الخام أيضًا في إنتاج الديزل، الذي يُعرف بكونه الوقود المحرك للاقتصاد العالمي، إذ تعتمد عليه الشاحنات والجرارات وقطارات الشحن والمركبات التجارية الأخرى في عملها. وارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب، وتجاوزت يوم الجمعة حاجز 6 دولارات للجالون لأول مرة، وذلك وفقًا لبيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA).
تُعد أسعار الطاقة محركًا رئيسيًا للتضخم العام، الذي شهد ارتفاعًا في الاقتصادات الكبرى خلال الأشهر الأخيرة، مما أثار مخاوف من رفع أسعار الفائدة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض بالنسبة للمستهلكين.

شركات الشحن لديها خبرات سابقة في تجنب مسار البحر الأحمر. ففي أواخر عام 2023، بدأ الحوثيون بمهاجمة السفن التجارية المارة عبر مضيق باب المندب ردًا على الحرب التي تشنها إسرائيل في غزة. دفعت هذه الهجمات شركات الشحن إلى استخدام المسار الأطول، مما أدى إلى زيادة مدة الرحلات لأسابيع وإجبارها على تكبد نفقات إضافية تشمل الوقود والتأمين وأجور البحارة.
ومنذ ذلك الحين، تشير تقديرات بيتر ساند، كبير المحللين في شركة Xeneta المتخصصة في بيانات الشحن، إلى أن عدد السفن العابرة لمضيق باب المندب قد انخفض بنسبة تتراوح بين 60% و70%. كما سجلت حركة العبور تراجعًا بنسبة 46% خلال اليومين الماضيين عقب تصاعد حدة القتال.
ومع ذلك، لا يتوقع ساند أن تتوقف حركة العبور تمامًا لتصل إلى الصفر، مشيرًا إلى أن شركات الشحن معتادة على العمل في بيئات عالية المخاطر، لكنه أضاف أن "كل سفينة تعبر... تمثل هدفًا محتملًا".


التعليقات