شهدت الحرب الاميركية الاسرائيلية الأخيرة التي بدأت في 28 فبراير ردا ايرانيا مكثفا استهدف مواقع عسكرية ومدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، على عكس حرب الأيام الاثني عشر في يونيو، التي لم تشمل دول مجلس التعاون الخليجي إلى حد كبير.
وقد شكّلت هذه الهجمات خروجًا عن “سياسة الجوار” التي مثّلت محور السياسة الخارجية الأساسي للجمهورية الإسلامية طوال نصف عقد، وتراجعت هذه السياسة تحت وطأة حرب رأت إيران أنها تهديد وجودي، بالتزامن مع تراجع قدرات القوى الوكيلة التي شكّلت سابقًا “خط الدفاع الأمامي” الإيراني.
ونتيجة لذلك، وصلت علاقات إيران مع الدول العربية الخليجية إلى مستوى غير مسبوق من التدهور والتآكل، ولم يعد الأمر مجرد توتر مؤقت، بل تحوّل إلى اضطراب عميق أصاب بنية الثقة والتعاون والتفاهم المتبادل التي بُنيت بصعوبة خلال السنوات القليلة الماضية.
وقد زادت الحرب من أهمية عدد من القضايا بالنسبة لإيران، من بينها رغبتها في انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ومخاوفها من تنامي الروابط الأمنية والاستخباراتية والعسكرية بين بعض الدول الخليجية العربية وإسرائيل.
وتختلف سياسة طهران تجاه أعضاء مجلس التعاون الخليجي من دولة إلى أخرى بالرغم من ان طهران سعت إلى إضفاء طابع إقليمي على الحرب لردع الدول الخليجية العربية، والولايات المتحدة، عن تنفيذ مزيد من الهجمات، فعلى سبيل المثال، ما تزال سياسة إيران تجاه سلطنة عمان قائمة على الشراكة الاستراتيجية والتعاون.
فقد وصفت عمان الحرب منذ بدايتها بأنها غير قانونية بعكس دول عربية أخرى، ورفضت تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي للولايات المتحدة أو إسرائيل.
وكانت مسقط قد استضافت مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة قبل الحرب، وحتى بعد أن استهدفت إيران منشآت في مينائي صحار وصلالة، لم يوجّه المسؤولون العمانيون اتهامًا مباشرًا إلى إيران، كما لم تتبنَّ طهران تلك الهجمات، بل نسبتْها إلى إسرائيل.
وزار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سلطنة عمان في السادس والعشرين من أبريل، والتقى السلطان هيثم بن طارق، في أول زيارة لمسؤول إيراني إلى دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي بعد وقف إطلاق النار، كما غابت عمان عن اجتماع مجلس التعاون الخليجي في الثامن والعشرين من أبريل، الذي أصدر بيانات مناهضة لإيران.
وتدرك إيران أنها تحتاج إلى تعاون عمان لترسيخ آلية مراقبة حركة السفن في مضيق هرمز، ويتضمن المقترح الإيراني لإعادة فتح المضيق إنشاء دوريات بحرية مشتركة، وربما فرض رسوم أو ضرائب على السفن العابرة، إلا أن مسقط رفضت هذا المقترح حتى الآن، ومن المتوقع أن تواصل سياستها التقليدية القائمة على الحياد.
من خفض التصعيد إلى المواجهة مع الإمارات
يختلف نهج إيران تجاه الإمارات بصورة كبيرة، إذ انتقلت من سياسة خفض التصعيد إلى المواجهة الشاملة، وقد اعتبرت طهران الإمارات الهدف الخليجي الرئيسي والأكثر هشاشة بين جيرانها الجنوبيين بسبب دورها الأكثر نشاطًا في التحالف المناهض لإيران واستضافتها منشآت عسكرية أجنبية.
ووصل الأمر بإيران إلى حد التهديد العلني بـ”سحق الإمارات”، كما أبلغ مسؤولون إيرانيون نظراءهم السعوديين والعمانيين بهذا التحول في النهج.
ويُعتقد أن إيران استهدفت منطقة صناعية نفطية في ميناء الفجيرة الإماراتي الرئيسي في الرابع من مايو، ، ردًا على إغراق الولايات المتحدة عدة قوارب إيرانية صغيرة في مضيق هرمز ضمن محاولة أمريكية لإعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي.
وتسعى طهران إلى رفع كلفة التعاون العسكري والأمني الوثيق بين الإمارات من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إضافة إلى إضعاف المعنويات الإماراتية عبر استهداف نقطة الضعف الرئيسية للدولة، وهي اقتصاد قائم على السياحة والاستثمارات الأجنبية.
وقد تعرضت الإمارات لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة، حتى أكثر من إسرائيل، إذ أطلقت إيران ما لا يقل عن ألفي صاروخ بالستي وطائرة مسيّرة باتجاه أهداف إماراتية، ولم تقتصر الهجمات على المنشآت العسكرية، بل شملت أيضًا البنية التحتية المدنية الحيوية ومعالم تجارية مثل فندق برج العرب، الذي أُغلق لمدة ثمانية عشر شهرًا.
وتسعى إيران إلى استغلال الانقسامات القائمة بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وخاصة بين الإمارات والسعودية، وتدرك طهران في الوقت نفسه، أن الإمارات، التي عمّقت شراكتها مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ستتجه على الأرجح إلى توسيع هذا التعاون في مجالات الدفاع والأمن وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وقد تحذو البحرين وربما الكويت حذو أبوظبي.
وترى إيران أن السعودية، رغم عدائها التقليدي لطهران، ستكون أكثر حذرًا، وتعتبر إسرائيل تهديدًا استراتيجيًا يسعى إلى فرض هيمنة إقليمية على حساب مصالح معظم الدول العربية.
وتكتسب اختلافات المواقف العربية تجاه إسرائيل أهمية بالنسبة لإيران، لأنها تمنع تشكيل نظام دفاع جوي مشترك تقوده الولايات المتحدة ويضم إسرائيل، وتخشى طهران من هذا النوع من التعاون الأمني الجماعي أكثر من خشيتها من العلاقات الثنائية بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي.
ويُتوقع أن تحاول إيران في أعقاب الحرب، إعادة بناء علاقتها مع السعودية، التي يبدو أنها أدركت أنها غير قادرة على القضاء على التهديد الإيراني، ومن المرجح أن تتحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بالحذر المتبادل ومحاولات الاتفاق على قواعد تنظم ملف هرمز والحرب في اليمن، إلى جانب استمرار التنافس الجيوسياسي عبر القوى الإقليمية الوكيلة.
ورغم أن الحرب أوقفت مسار خفض التصعيد الذي بدأ عام 2023 عندما أعادت إيران والسعودية العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما، فإنها لم تدمره بالكامل، ويبدو أن البلدين يدركان أن الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي والتوصل إلى “صيغة تعايش” جديدة أمر ضروري في بيئة ما بعد الحرب، ووفقًا للتقارير، فإن النهج الإيراني الجديد تجاه السعودية سيقوم على إدارة التوترات ومحاولة منع تحولها إلى صراع مباشر.
وقد سعت إيران منذ فترة طويلة إلى إنشاء منظومة أمنية شاملة في الشرق الأوسط لا تعتمد على القوات الأجنبية، واقترحت إنشاء دوريات بحرية مشتركة في مضيق هرمز مقابل مشاركة سعودية ومصرية في تأمين باب المندب وقناة السويس.
وتحتاج الرياض إلى الاستقرار الإقليمي لتحقيق أهدافها الاقتصادية الطموحة، وقد أجبر إغلاق مضيق هرمز السعودية على إعادة توجيه صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر، الذي يبقى معرضًا لتهديدات الحوثيين المتحالفين مع إيران.
ومن دوافع إيران لإصلاح علاقتها مع السعودية أيضًا منع تشكل تحالف عسكري-سياسي جديد يتمحور حول مصر وباكستان وتركيا.
وقد لاحظت إيران في علاقاتها مع السعودية، الخلافات بين الرياض وأبوظبي بشأن منظمة أوبك، التي انسحبت منها الإمارات مؤخرًا، وكذلك بشأن العلاقات مع إسرائيل، كما تعارض السعودية جهود الإمارات لتغيير النظام السياسي الإقليمي عبر دعم ميليشيات انفصالية في اليمن والسودان والصومال، بينما دعمت الرياض الحكومات المركزية في مختلف أنحاء المنطقة.
الضرر الذي لحق بعلاقات إيران وقطر
ألحقت حرب 2026 أضرارًا عميقة ومتعددة المستويات بالعلاقات الإيرانية-القطرية، إذ وضعت شريكين رئيسيين في استغلال أكبر حقل غاز في العالم في مواجهة مباشرة، وكسرت الخط الأحمر المتعلق بأمن الطاقة.
فقد هاجمت إسرائيل، بدعم أمريكي، منشآت في الجزء الذي تسيطر عليه إيران من حقل الغاز، “بارس الجنوبي”، الذي يؤمّن 70% من استهلاك إيران من الغاز، وردّت إيران باستهداف مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، بهجمات صاروخية واسعة، وقد تسببت تلك الهجمات بأضرار كبيرة وواسعة النطاق للمنشأة، التي توفّر 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وكانت ايران قد شعرت منذ فترة طويلة بعدم الارتياح تجاه التعاون العسكري الوثيق بين قطر وواشنطن، ففي حين ترى الدوحة أن استضافة المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية أمر بالغ الأهمية، اعتبرت طهران الوجود العسكري الأمريكي الكبير هناك تهديدًا لأمنها القومي.
ورغم دخول العلاقات بين طهران والدوحة مرحلة جديدة ومتوترة، فإن البلدين لم يقطعا علاقاتهما، ويظل العامل الأهم الذي يمنع الانهيار الكامل للعلاقات هو اعتمادهما المتبادل على حقل غاز بارس الجنوبي، الأمر الذي يتطلب تنسيقًا تقنيًا مستمرًا لتجنب تعطّل الإنتاج لدى أي من الطرفين.
ويتمثل التحدي أمام قطر وبقية دول مجلس التعاون الخليجي وإيران في كيفية إعادة الانخراط بعد الحرب، مع ردع طهران عن استهداف البنية التحتية الحساسة، وإعادة ضمان حرية الملاحة في الخليج العربي.
ويمكن وصف النهج الإيراني بأنه مزيج من السعي إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي، وزيادته إن أمكن، وخفض التوترات المباشرة، وردع أي هجمات مستقبلية.