أدّت الحرب في إيران إلى زيادة الغموض بشأن التوجّه المستقبلي للصين في منطقة الخليج. وقد سارع بعض المحللين إلى الاستنتاج بأن الحرب كشفت غياب الصين وأثبتت أن الولايات المتحدة هي الشريك الأمني الموثوق الوحيد لدول الخليج. في المقابل، يرى آخرون أن الحرب دفعت دول الخليج إلى الاقتراب أكثر من الصين، في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية.
غير أن هذه النظرة الثنائية تتجاهل عاملاً أساسياً في سياسات بكين تجاه الشرق الأوسط، وهو أن هذه السياسات لا تقوم على نموذج «موازنة القوى» أو لعب دور المزوّد الأمني. ففي الواقع، تفتقر الصين إلى رؤية واضحة لكيفية التعامل مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة. ومع ذلك، قد تجني مكاسب سياسية ومعنوية وسمعة دولية في البيئات التي يتزايد فيها الاستياء من واشنطن، ومع إعادة ترتيب الأولويات في دول الخليج، بما يتيح لها توسيع نفوذها على حساب الولايات المتحدة.
وعليه، فإن الأثر الرئيسي للحرب لم يتمثل في وضع الصين على مسار يحلّ محل الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني للمنطقة، بل ربما في تهيئة الظروف التي تمكّن بكين من لعب دور في صياغة نظام إقليمي جديد.
•ديناميكيات أمنية جديدة في الخليج
كشفت الحرب في إيران عن ثلاث ديناميكيات رئيسية تتعلق بأمن الخليج واصطفافاته المستقبلية.
أولاً، أظهرت الحرب أن القوة العسكرية الأمريكية لها حدود، وأن التصعيد لا يشكّل بالضرورة بديلاً فعالاً للردع. وبالنسبة لدول الخليج، ربما تحولت القواعد العسكرية الأمريكية من مصدر للحماية إلى مصدر للمخاطر. كما أن دول الخليج لم تختر هذه الحرب، بل إن الولايات المتحدة تجاهلت دعواتها لتجنبها. وهكذا، فإن الدولة التي كان يُفترض أن تضمن أمن الخليج أصبحت سبباً في تعريضه للخطر، حتى وإن كانت أنظمة الدفاع — ومعظمها أمريكية الصنع والمستخدمة من قبل دول الخليج — قد لعبت دوراً حاسماً في حماية السكان من هجمات الصواريخ والطائرات المُسيّرة.
ثانياً، أظهرت إيران أن قدراتها الصاروخية والمُسيّرة، إلى جانب استخدامها مضيق هرمز كورقة ضغط، يمكن أن تخلق توازناً ردعياً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يتيح لطهران انتزاع تنازلات مهمة على المستويين التكتيكي والسياسي.
ثالثاً، لا تتنافس الولايات المتحدة والصين حول قضايا الحرب والسلام في الخليج، بل إن مصالحهما بدت متقاطعة إلى حدّ كبير.
وقد لفت الموقف الصيني الداعي إلى إنهاء الحصار الأنظار بسبب وضوحه اللافت. ففي اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أن «يبقى مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة العبور الطبيعية، لأن ذلك يخدم المصالح المشتركة لدول المنطقة والمجتمع الدولي».
وجاء هذا الاتصال بعد أيام من لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ بولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان في بكين. ولم يُجرِ شي أي تواصل مباشر مماثل مع القيادة الإيرانية، رغم أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى هذا الأسبوع نظيره الصيني وانغ يي في بكين لبحث تطورات الحرب. وبعد الاجتماع، دعت الصين كلاً من إيران والولايات المتحدة إلى فتح المضيق.
وقد بعثت بكين برسالة ضمنية تعبّر عن استيائها من إيران بسبب إغلاقها المضيق، ومن الولايات المتحدة بسبب حصارها للشحن الإيراني، في الوقت الذي كانت تشير فيه إلى تقارب مع أولويات دول الخليج. غير أن رغبة الصين في إعادة فتح المضيق تنسجم أيضاً مع الأولوية التي أعلنها ترامب، بما يمهّد الأجواء قبيل القمة المرتقبة بين شي وترامب.
وقد سرّعت هذه التطورات من التحولات في التفكير الاستراتيجي الخليجي. وكان من أبرز آثارها المباشرة سعي دول الخليج إلى تقليص اعتمادها على الحماية الأمريكية، عبر تطوير قدرات دفاعية محلية متقدمة تكنولوجياً. ويُرجّح أن تكون الاتفاقات التي أُفيد بتوقيعها مع أوكرانيا — والتي تقضي بتزويدها بالوقود مقابل الحصول على خبرات في مجال الدفاع ضد الطائرات المُسيّرة — جزءاً من هذا التوجه.
•تنويع مصادر التسلّح
ويعكس ذلك توجهاً طويل الأمد نحو نموذج أكثر تنوعاً في مشتريات التسليح، يقوم على تعدد الشراكات الصناعية والتكنولوجية مع عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة، وكذلك بريطانيا وأوكرانيا وباكستان وتركيا وكوريا الجنوبية.
ومن المرجّح أن تشهد العقيدة السابقة — التي كانت تقوم على شراء منظومات دفاعية أمريكية باهظة الثمن بهدف كسب النفوذ داخل واشنطن — تحولاً نحو التركيز على مواجهة تهديد الصواريخ والطائرات المُسيّرة الإيرانية، عبر اقتناء منصات أقل تكلفة ويمكن إنتاجها على نطاق واسع.
وقد تلعب الصين دوراً في هذا المسار. فصحيح أن صادرات الصين من المواد ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب إتاحتها الوصول إلى الأقمار الصناعية، ساعدت — بحسب تقارير — في دعم المجهود الحربي الإيراني.
لكن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تُعدّان بالفعل من أكبر مشتري الطائرات المُسيّرة والتقنيات الدفاعية الصينية الأخرى، وربما ترى الدولتان أن تعزيز التعاون الدفاعي مع الصين في مجالات لا تُعتبر تهديداً أمنياً من منظور واشنطن، قد يشكّل استراتيجية حكيمة في مرحلة ما بعد الحرب، بما يعزز نفوذهما لدى بكين ويوازن التحركات الدبلوماسية الإيرانية.
•تسهيل الحوار… والاستثمار
لكن تنويع التعاون الأمني لا يمكنه، بمفرده، ضمان سلام مستدام في منطقة الخليج. فبغضّ النظر عن أي اتفاق سلام قد يُبرم بين الولايات المتحدة وإيران، ستجد دول الخليج وإيران نفسيهما، في مرحلة ما، مضطرتين إلى مواجهة حقائق غير مريحة، عبر التوافق على إنشاء إطار أمني إقليمي شامل يضم جميع الأطراف. وكما قالت المسؤولة الإماراتية ريم الهاشمي في 3 مايو/أيار: «الجغرافيا هي التي تحكم في النهاية… وسيتعيّن علينا التعايش مع بعضنا البعض، نحن دول الخليج وإيران».
وهنا يمكن للصين أن تؤدي دوراً محورياً. فإلى جانب باكستان وتركيا وبعض القوى الأوروبية، بما فيها الولايات المتحدة، تتمتع بكين بموقع يؤهلها لتسهيل الحوار بين دول الخليج وإيران، والمساهمة في بناء علاقة عملية بين الجانبين على المدى المتوسط.
وقد تستغل الصين انعقاد القمة الصينية-الخليجية الثانية في يونيو/حزيران للترويج لنموذجها المعياري الخاص بإطار أمني خليجي، والقائم على مبادئ «مبادرة الأمن العالمي»، التي تنسجم مع هذه التحولات الجديدة.
وخلال لقائه بالشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، شدّد الرئيس الصيني شي جين بينغ على المبادئ الصينية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، مؤكداً أن بكين مستعدة «لدعم دول الخليج في تحسين علاقاتها، والعمل على بناء هيكل أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام» في الخليج. ورغم أن هذه المبادئ ليست جديدة، إلا أنها قد تبدو أكثر واقعية وجاذبية لدول المنطقة، في ظل غياب التزامات أمنية أمريكية مطلقة.
كما أن تبنّي الأفكار الصينية بشأن الأمن الإقليمي ينسجم مع التحول الجاري في تفكير المسؤولين السعوديين. إذ تعطي المملكة العربية السعودية الآن أولوية لجهود تهدف إلى التحول إلى مركز رئيسي للتخفيف من مخاطر مضيق هرمز، من خلال إنشاء بنية تحتية تتيح تجاوز المضيق وربط الخليج بالبحر الأحمر.
وقد يشكّل تطوير هذه البنية التحتية فرصة استثمارية جذابة لمستثمري مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، شأنه في ذلك شأن الفرص المرتبطة بإعادة إعمار ما خلّفته الحرب من دمار.
ومن شأن ذلك أن يسهم، على المدى الطويل، في توسيع نطاق المعاملات المقوّمة بالرنمينبي، بما يجعل مشاريع البنية التحتية والتجارة مع المنطقة أكثر جاذبية بالنسبة لبكين.
وفي المقابل، قد تُوضع الممرات الاقتصادية المصممة لتعزيز التكامل الإقليمي مع إسرائيل — مثل مشروع «الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي» (IMEC) — على الرف، في ظل تراجع اهتمام المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى بمسار التطبيع مع إسرائيل، وتصاعد الدعوات إلى خفض التصعيد والتعايش مع إيران.
وعليه، فإن الحرب لم «تدفع» الخليج نحو الصين، كما أنها لم تُخرج بكين من معادلة الخليج، بل غيّرت نظرة دول الخليج إلى فوائد تنويع الشراكات والتحوّط الاستراتيجي، في وقتٍ يتزايد فيه الحضور الدبلوماسي الصيني داخل منطقة تتجه نحو مشهد أمني متعدد المستويات، قائم على القضايا والملفات، وأكثر تنوعاً.
وستظل الولايات المتحدة المزوّد الأمني الرئيسي للمنطقة، لكن ضمن سياق يقوم على إدارة خفض التصعيد في الخليج، وفي ظل تنامٍ ملحوظ في شهية دول المنطقة للاستثمارات والمنتجات والدبلوماسية الصينية.