أصبحت مشاركة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية واستمرار عضويتها في جامعة الدول العربية موضع تساؤلات وتكهنات، لا سيما بعد تعرض الجامعة لانتقادات حادة على خلفية الصراع الإسرائيلي–الأميركي–الإيراني، والهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والأردن.
ويرى مراقبون خليجيون، إلى جانب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ومقربين من دوائر صنع القرار، أن جامعة الدول العربية لم تتخذ حتى الآن “مواقف حاسمة” أو تصدر بيانات مباشرة تدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج. ويذهب هؤلاء إلى أن المنظمة تنتهج سياسة مصر أكثر من تبنيها موقفًا عربيًا جماعيًا، بالنظر إلى أن مقرها يقع في مصر، وأن معظم أمنائها العامين من المسؤولين المصريين السابقين.
ومنذ اندلاع الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، أصدرت جامعة الدول العربية عدة بيانات تدين هذه الهجمات. فقد جاء في أول بيان صدر في 28 فبراير/شباط أنه “يدين هذه الهجمات ويؤكد تضامنه الكامل مع الدول العربية في مواجهتها، ودعمه لأي إجراءات تتخذها للدفاع عن نفسها وحماية شعوبها”.
كما عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري اجتماعًا طارئًا عبر تقنية الاتصال المرئي في 8 مارس/آذار 2026، أدان فيه صراحة استهداف سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها التي تعرضت لهجمات إيرانية، وذلك وفقًا للبيان الصادر عقب الاجتماع.
وعلى الرغم من البيانات التي أصدرتها جامعة الدول العربية، والتي تترأس دورتها الحالية دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن موجة الجدل اندلعت عقب تصريح أدلى به أحمد أبو الغيط، الأمين العام للجامعة، لوسائل الإعلام في 8 مارس/آذار 2026، قال فيه إن التصعيد الإيراني ضد الأهداف المدنية في الخليج يُعد “خطأً فادحًا”.
وأضاف أبو الغيط أن “أيًا من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لم يطلب منا قطع العلاقات مع إيران”.
وقد أثار هذا التصريح الإعلامي للأمين العام ردود فعل واسعة من مسؤولين وإعلاميين وشخصيات مقربة من دوائر الحكم في دول الخليج، الذين رأوا أن الجامعة العربية لا تقوم بدور فعال في احتواء الأزمة.
وفي هذا السياق، صرح الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية الكويت، في كلمته خلال اجتماع جامعة الدول العربية المنعقد في 29 مارس/آذار 2026، بأن “التجارب المتعاقبة كشفت محدودية فاعلية منظومة العمل العربي المشترك ضمن إطار الجامعة العربية، وهو ما يستدعي مراجعة صريحة ومسؤولة. فعلى الرغم من مكانتها الرمزية، أثبتت الجامعة العربية عجزًا واضحًا عن مواكبة التحديات المتسارعة، وعن أداء دور فعال في صون الأمن العربي”.
ونشر الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب القائد العام لشرطة دبي والأمن العام، المعروف بتفاعله النشط وآرائه السياسية الحادة عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، في 24 مارس/آذار 2026، تدوينة قال فيها: “إن إعلان دول الخليج انسحابها من جامعة الدول العربية يعني أنها لم تعد جامعة عربية حقيقية”.
كما كتب جمال سند السويدي، نائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، المعروف بقربه من صناع القرار في دول الخليج، في تغريدة بتاريخ 31 مارس/آذار 2026: “إن دول الخليج تدرس الانسحاب من جامعة الدول العربية”.
ودعا خبير إلى حل جامعة الدول العربية، حيث دعا الدكتور خالد السبيعي، رئيس مركز خالد للدراسات الإعلامية والاستشارات في المملكة العربية السعودية والمقرب من دوائر صنع القرار السعودي، عبر حسابه الرسمي على منصة إكس بتاريخ 4 أبريل/نيسان 2026، إلى “امتناع دول الخليج عن حضور اجتماعات جامعة الدول العربية، وعدم الاعتراف بها أو بقراراتها، وإغلاق مكاتبها في تلك الدول”. كما دعا إلى “عدم دفع أي مبالغ إلى ميزانية جامعة الدول العربية”.
ومن جانبه، قال قاسم سلطان، المحلل السياسي السعودي، في تصريح لصحيفة ذا ميديا لاين، إن “دور جامعة الدول العربية يتراجع تدريجيًا مع مرور الوقت، وأعتقد أن ذلك يعود إلى ضعف الأمناء العامين المتعاقبين، إذ إن معظمهم من المسؤولين المصريين السابقين، وتجاوزت أعمارهم السبعين عامًا. وبالتالي، فإن هذا المنصب، رغم أهميته، أصبح بالنسبة لبعض المسؤولين المصريين السابقين موقعًا للتقاعد وتحقيق المكاسب والامتيازات”.
وأضاف: “أرى أنه من الضروري نقل مقر جامعة الدول العربية من مصر إلى الرياض، مع الإبقاء على العرف السائد بأن يكون الأمين العام مصريًا، إذ إن هذا المنصب لا يقتصر على دولة بعينها ولا يُفترض احتكاره”.
وأضاف سلطان في ختام حديثه أن “ميثاق الجامعة ينبغي أيضًا تعديله ليجعل قراراتها أكثر إلزامًا للدول العربية، وتسريع آلية صنع القرار فيها، وتعزيز التنسيق المشترك بشكل أكثر فاعلية، على غرار ما يحدث في الاتحاد الأوروبي، بدلًا من أن تبقى مجرد منتدى لا يحقق فعليًا أي نتائج تُذكر”.
ومن جانبه، قال الصحفي السياسي الكويتي عبدالله الخميس لصحيفة ذا ميديا لاين إن “دول الخليج تتحمل النسبة الأكبر من ميزانية جامعة الدول العربية، وفق ما أُعلن سابقًا في اجتماعات الجامعة”. وانتقد الجامعة لعدم قيامها بأي دور خلال الهجمات الإيرانية على دول الخليج، مشيرًا إلى ردود فعلها “الضعيفة”، قائلًا: “كما أنها فشلت في الانخراط في أي تنسيق دولي، واكتفت ببعض البيانات الهزيلة”.
وأضاف: “أعتقد أنه ينبغي تشكيل مجلس تنسيق عربي يكون بديلًا أفضل من هذه الجامعة، على أن يضم دول الخليج، والأردن، والمغرب، وسوريا، فهذه الدول تتقارب إلى حد كبير في مواقفها وقراراتها، كما أنها تمتلك تأثيرًا في الشأن الدولي”.
وانتقد الخميس جامعة الدول العربية بشدة، واصفًا إياها بأنها غير فعالة، قائلًا: “هذه الجامعة العربية وُلدت ميتة، ولم تتخذ عبر تاريخها أي إجراءات حاسمة، كما لم يكن لها تأثير في القرارات الدولية. ولم تقم بأي تحرك حقيقي، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا أو حتى في إطار التفاوض مع أي من الكتل الدولية الكبرى”.
وقال الفريق الركن العراقي السابق أمين عبد العزيز لصحيفة ذا ميديا لاين إن “ما ينبغي تفعيله أولًا داخل جامعة الدول العربية هو الوحدة العسكرية”، معربًا عن أسفه لغياب التدريبات والتنسيق العسكري المشترك. وأضاف: “وبالتالي، في ظل غياب أي قوة عسكرية عربية موحدة، لا يمكن توقع صدور قرارات فعالة من جامعة الدول العربية”.
وتابع قائلًا: “لقد وقعت أحداث كثيرة في العالم العربي، ومع ذلك لم نشهد أي مواقف موحدة، بل اكتفينا ببعض البيانات الضعيفة وغير المؤثرة. لذلك، فإن جامعة الدول العربية بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة، أو ينبغي حلها بشكل كامل”.
واعتبر أن آلية الاختيار نفسها قد تكون جوهر المشكلة، مشيرًا إلى أن “آلية اختيار الأمين العام للجامعة، والتي جرت العادة على أن تكون محصورة في مسؤول مصري سابق وبشكل دائم من مصر، وهي شروط غير منصوص عليها في أي قانون أو ميثاق لجامعة الدول العربية، تمثل أصل الإشكال”.
وأضاف عبد العزيز أن “أي مسؤول مصري سابق، سواء كان وزير خارجية أو رئيس وزراء أو غير ذلك، يحمل معه عند توليه المنصب عقلية وسياسات مصر، وبالتالي لا يمثل جميع العرب”.
ورفضت المحللة السياسية والصحفية المصرية سارة عزب الاتهامات التي تحمل مصر مسؤولية ضعف جامعة الدول العربية، ووصفتها بأنها ذات دوافع سياسية. وقالت إن مثل هذه الادعاءات تعتبر “محاولات واضحة للنيل من مصر، وهي ادعاءات غير صحيحة”.
وأشارت إلى الدور التاريخي لمصر داخل المنظمة، موضحة أن المناصب القيادية عادة ما تُسند إلى شخصيات ذات ثقل دولي، وأن القاهرة تحظى بدعم إقليمي واسع. وأضافت: “إن مصر، باعتبارها أكبر دولة عربية وأكثرها خبرة في السياسة الدولية، تحظى بإجماع عربي لتولي هذه المسؤولية”، مؤكدة في الوقت نفسه أنها “لا تعارض اختيار مرشح بديل من خارج مصر إذا وُجد شخص أفضل لقيادة هذه المنظمة، لكن ربما لم يُعثر على أحد حتى الآن”.
ورأت عزب أن التحديات التي تواجه جامعة الدول العربية هي تحديات بنيوية وليست مرتبطة بالقيادة، مشيرة إلى أن الانقسامات بين الدول الأعضاء تمثل العقبة الأساسية. وقالت: “تكمن مشكلة الجامعة العربية في تضارب مصالح أعضائها، وليس في الجامعة نفسها”، مستشهدة بتباين مواقف الدول تجاه التحركات الإيرانية في الخليج، حيث أشارت إلى أن بعض الدول تحتفظ بعلاقات مع طهران وتتجنب إدانة الهجمات، مما يصعّب الوصول إلى مواقف موحدة.
كما تساءلت عن سبب تركيز الانتقادات على مصر تحديدًا دون غيرها، قائلة: “لماذا لا نرى هذه الحملات الإعلامية على سلطنة عمان، أو حتى هجومًا غير رسمي على الجزائر أو موريتانيا أو غيرها من الدول التي لم تتخذ موقفًا؟”.
وختمت عزب بأن هذا النمط من الانتقاد يشوه جوهر المشكلة، مضيفة: “لماذا تُستهدف مصر وحدها، وكأن ضعف جامعة الدول العربية سببه مصر؟”، مؤكدة أن “ضعف الجامعة العربية يعود فقط إلى تضارب مصالح الدول الأعضاء”.
لقراءة المادة من موقعها الاصلي: