لا شك في أنَّ التهديد النووي في الشرق الأوسط قد ازداد في خضم الحرب بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فقد تم استهداف منشآت نووية في إيران وكذلك في إسرائيل خلال هذه الحرب، التي بدأت في نهاية شباط/فبراير بهجمات من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران. وبذلك فقد استُهدف مجال يعتبر حساسًا بشكل خاص.
لقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مرات أنَّ هدف الحرب هو منع إيران من تطوير وامتلاك أسلحة نووية. والآن سيتم التفاوض أيضًا على البرنامج النووي الإيراني خلال فترة وقف إطلاق النار المتفق عليها لمدة أسبوعين.
ومع ذلك، يحذّر الخبراء من أنَّ عمليات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد النظام الإيراني يمكن أن تقود إلى نتائج عكسية وتُقوّض منطق الردع القائم.
من المعروف أنَّ الأسلحة النووية تعتبر وسيلة ردع، تهدف إلى منع الخصوم من القيام بعمل عسكري. وضمن هذا السياق كثيرًا ما يُشار إلى كوريا الشمالية، التي تساهم ترسانتها النووية - بحسب رأي بعض المراقبين - في استقرار النظام، وذلك من خلال جعلها التدخلات الخارجية أقل احتمالًا. ومن الممكن جدًا أن تكون هذه الحقيقة ضمن حسابات طهران، على الرغم من نفيها ذلك.
وفي هذا الصدد تعتبر أوكرانيا مثالًا مختلفًا. فقد تخلت في عام 1994 مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، عن ترسانتها من الأسلحة النووية، التي كانت آنذاك ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم. واليوم يقول بعض الخبراء إنَّ روسيا لم تكن ستقدم على مهاجمة أوكرانيا لولا تخليها قبل ذلك عن أسلحتها النووية.
أما إيران فقد كانت مؤخرًا في حالة تعرف باسم "الكمون النووي"، أي القدرة المفترضة على تطوير قنبلة نووية، ولكن من دون أن تكون قد اتخذت هذه الخطوة في الواقع، بحسب المعلومات المتاحة. وقد أتاح هذا - على الأقل في البداية - مجالًا سياسيًا للتفاوض من دون تجاوز عتبة المواجهة المفتوحة.
•"غموض استراتيجي"
"اعتمدت إيران طيلة أعوام على الغموض الاستراتيجي، وتعمّدت البقاء تحت العتبة النووية لكي تتجنّب التعرض لهجمات"، كما كتب مؤخرًا الخبير روبال ميهتا من كلية لندن للاقتصاد: "والقيادة الجديدة في إيران تقف الآن أمام موازنة صعبة بين المخاطرة ومنطق الردع". وهذا الوضع قد يتصاعد أكثر بسبب تهديد ترامب بقصف إيران و"إعادتها إلى العصر الحجري".
هذا وقد أعلن في الأسبوع الماضي سياسيون إيرانيون أنَّ إيران تفكّر في الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي بدأ التوقيع عليها في عام 1968 وباتت تضم 191 دولة عضوًا. ومن الممكن أن تؤدي خطوة كهذه إلى إضعاف نظام الرقابة الدولية أكثر.
وربما تؤدي التغييرات التي أحدثتها الحرب في نظام الأمن الإقليمي أيضًا إلى دفع دول أخرى في الشرق الأوسط إلى التفكير في برامجها النووية أو تسريع خططها القائمة.
وتقول الخبيرة كيلسي دافنبورت، من "جمعية الحد من التسلح" ومقرها واشنطن: "هناك عدة عوامل قد تُقرّب دول الخليج من امتلاك أسلحة نووية". لأنَّ هذه الدول تجد نفسها عالقة بين سعي إيران وإسرائيل إلى السيطرة، فيما هي فقدت جزئيًا ثقتها بالولايات المتحدة كقوة حامية.
وفي الوقت نفسه توجد عقبات كبيرة تحول دون امتلاك قنبلة نووية على المدى القصير، إذ يجب أولًا تحقيق الشروط التكنولوجية والمؤسساتية والسياسية، كما تقول دافنبورت. وكذلك من المحتمل أن تنتظر دول الخليج تطورات الصراع، "بيد أنَّ الحرب ستؤدي إلى زيادة حدة النقاش بشكل واضح حول أهمية الأسلحة النووية في السياسة الأمنية"، كما تقول الخبيرة دافنبورت.
•هل تسعى دول الخليج العربية إلى امتلاك أسلحة نووية؟
اتخذت المملكة العربية السعودية في العام الماضي وبدعم أمريكي خطوات أولى على الأقل نحو استقلالها النووي. وقد أعلن قبل ذلك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أنَّ بلاده ستحصل على سلاح نووي إذ حصلت إيران عليه.
وبحسب تقارير إعلامية فقد عاد الأمير محمد بن سلمان بعد زيارة الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر باتفاقية تعاون نووي قد تمكّن المملكة العربية السعودية من تخصيب اليورانيوم. ولكن هذه الاتفاقية لا تزال بحاجة إلى موافقة الكونغرس الأمريكي عليها، كما تقول نور عيد، وهي خبيرة مستقلة تعمل لدى عدة مؤسسات في باريس.
وفي العادة تحتوي مثل هذه الاتفاقيات على آليات رقابة صارمة تفرضها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهدف ضمان الشفافية وإمكانية المساءلة. ولكن ربما تكون هذه الآليات ضعيفة في حالة السعودية، بحسب بعض المخاوف. وهذا النقد يأتي من جهات عديدة مثل المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، روبرت كيلي، الذي يتحدث عن خرق للممارسات التي كانت متبعة في السابق.
ومع ذلك من المحتمل بحسب رأي نور عيد أن يستغرق الأمر من عشرة أعوام إلى عشرين عامًا قبل أن تمتلك السعودية قدرات نووية ملموسة، في حالة بدأت برنامجا نوويا. ويضاف إلى ذلك عدم وجود متخصصين مؤهلين وبنية أساسية صناعية. وعلى المدى القصير من المحتمل أنَّ السعوديين يركّزون في الحقيقة على إنتاج الطاقة المدنية، كما تقول نور عيد.
ومن جانبها تشغّل دولة الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة محطة طاقة نووية ( محطة براكة)، وتتخلى عمدًا عن تخصيب اليورانيوم لديها. وحتى الآن كانت الإمارات تركّز على مكانتها الاقتصادية أكثر من التركيز على المصالح العسكرية. ومع ذلك يوجد فقرة في الاتفاقية تسمح بإعادة التفاوض في حال حصول دول أخرى على شروط أكثر مرونة.
•خطط لدى مصر وتركيا أيضًا
وترى نور عيد أنَّ أحد أسباب الموقف الأمريكي الأكثر مرونة على ما يبدو تجاه جارة الإمارات ومنافستها السعودية ربما يكمن في منافسة الأمريكيين مع الصين وروسيا، اللتين غالبًا ما تقدمان التكنولوجيا النووية بشروط أقل صرامة، وتضمنان بذلك نفوذًا جيوسياسيًا.
ويعتقد الخبراء أنَّ مصر وتركيا يمكنهما أيضًا تطوير قدرات نووية على المدى الطويل، حيث تقوم مصر ببناء مفاعل بدعم روسي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ولكن على الأرجح أنَّها لن تتمكن من استخدامه عسكريًا في المستقبل القريب. وتقول نور عيد إنَّ تركيا تعتمد أيضاً على التعاون مع روسيا، وربما في المستقبل مع الصين أيضًا. ولكن تركيا توجد لديها بصفتها عضوًا في حلف الناتو مظلة نووية تحميها وتقلل من ضغط تسلُّحها بأسلحتها النووية الخاصة.
•كيف يمكن وقف استمرار انتشار الأسلحة النووية؟
تؤكد الخبيرة الأمريكية كيلسي دافنبورت على البُعد العالمي، وتقول: إنَّ كلًا من الصين وروسيا لا توجد لديهما مصلحة في انهيار نظام عدم الانتشار النووي، وذلك لأسباب تتعلق أيضًا بسياساتهما الأمنية.
وتضيف دافنبورت أنَّ الصين وروسيا بإمكانهما تقديم التقنيات والمواد، بيد أنَّ دعمهما الفعال لتطوير أسلحة نووية غير محتمل في تعاونهما مع إيران، على الرغم من تنافسهما مع الولايات المتحدة الأمريكية. والمحتمل أكثر أن تستغل الدول التوترات الجيوسياسية للحد من التكاليف السياسية لبلوغ عتبة امتلاك الأسلحة النووية، واستكشاف مجالات المناورة.
ويبقى من المهم للغاية إجراء حوار أمني إقليمي يتجاوز منطق الصراع قصير الأجل، كما تقول دافنبورت. وتعتقد أنَّ مثل هذا الحوار "سيكون صعبًا بعد هذا النزاع. ولكنه أفضل فرصة لمنع استمرار التسلح النووي وتحقيق استقرار طويل الأمد".