رسم خريطة الأضرار: الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي
يمن فيوتشر - المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية - إيلين كلارك- ترجمة خاصة الجمعة, 27 مارس, 2026 - 11:07 مساءً
رسم خريطة الأضرار: الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي

منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما الجوية ضد إيران، أطلقت الجمهورية الإسلامية هجمات واسعة النطاق بالطائرات المسيّرة والصواريخ استهدفت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. ويُقصد بالأضرار المُلحقة ممارسة الضغط عليها، وتوزيع كلفة الحرب، وكشف حدود القدرات والإرادة الأمريكية. ومن شأن قرار إيران استهداف جيرانها أن يُعيد تشكيل الطريقة التي تُعرِّف بها هذه الدول أولويات أمنها ودفاعها.

وعلى الرغم من أن عددًا محدودًا فقط من بين أكثر من 4,000 مقذوف إيراني أُطلق باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي قد أصاب أهدافه المقصودة حتى 19 مارس/آذار 2026، فإن هذه الهجمات أرسلت موجات صدمة عبر أسواق الطاقة والصناعة والمال العالمية. وكانت إيران قد استهدفت بالفعل البنية التحتية للطاقة في عام 2019، ومواقع عسكرية أمريكية في الخليج في عام 2025، إلا أن ردّها الحالي يختلف نوعيًا وكمّيًا، وقد تجاوز بشكل حاسم الخطوط الحمراء التي كانت دول المجلس تأمل أن تحميها دبلوماسيتها وحيادها الظاهري. وقد استهدفت إيران بشكل منهجي مواقع عسكرية وطاقوية واقتصادية أخرى في إطار استراتيجية حرب غير متكافئة لم تترك أي دولة بمنأى عن التأثير. وقد تعرّضت كلٌّ من الإمارات العربية المتحدة والكويت لهجمات غير متناسبة، في حين لحقت أضرار مادية أيضًا بكلٍّ من عُمان وقطر، وهما من قنوات التواصل التقليدية مع إيران.

 

من المجال العسكري إلى الاقتصادي

يمتدّ التوزيع العام للضربات الناجحة عبر دول مجلس التعاون الخليجي إلى ما هو أبعد من المنشآت العسكرية وتلك ذات الاستخدام المزدوج، ليميل بشكل ملحوظ نحو البنية التحتية المدنية المحورية للاقتصاد العالمي. فقد استهدفت إيران بُنى الطاقة والنقل في المنطقة، وهما ركيزتا القوة العالمية لدول المجلس؛ في مسعى لتقويض ثقة المواطنين والمقيمين والمستثمرين في قدرة هذه الدول على توفير الأمن للسكان والعمالة الأجنبية.

وعلى الرغم من التأكيدات المتكررة من مسؤولين إيرانيين بأن المناطق المدنية ليست هدفًا متعمدًا، فإن الضربات المؤكدة التي طالت المطارات والموانئ وناقلات النفط والمصافي والمرافق العامة والمناطق الصناعية والسكنية — لا سيما في البحرين وعُمان وقطر والإمارات — وسّعت نطاق تداعيات النزاع إلى ما يتجاوز بكثير المجال العسكري. وقد برّرت إيران هذه الأفعال باعتبار أي بنية تحتية اقتصادية تدعم العمليات العسكرية ضدها — بشكل مباشر أو غير مباشر — هدفًا مشروعًا. وهذا يبرز حجم التحدّي الأمني أمام دول المجلس؛ إذ كان الاعتماد على ضمانات أمنية خارجية حتى الآن أولوية رئيسية، أما في المرحلة المقبلة فمن المرجّح أن تتقدّم حماية البنية التحتية الحيوية، واستمرارية النشاط الاقتصادي، وتعزيز صمود المجتمعات إلى صدارة الأهداف.

وكانت البنية التحتية للطاقة الأكثر عرضة للاستهداف. ومع تصاعد الهجمات الإيرانية، ازداد كذلك عدد الضربات الناجحة التي طالت أصول الطاقة في دول المجلس. فقد تعرّضت مصافٍ سعودية رئيسية في رأس تنورة وينبع للقصف، حيث قد يهدد استهداف ينبع — نظرًا لموقعها على البحر الأحمر — جميع مسارات إمداد الطاقة البديلة خارج الخليج، بوصفها بديلًا لمضيق هرمز. كما استهدفت إيران بنية النقل واللوجستيات في عُمان، بما في ذلك موانئ تعمل كمسارات التفافية جزئية.

ولم تسلم المصافي الكويتية، إذ تعرّضت مصفاة ميناء الأحمدي لموجتي هجوم في 19 مارس/آذار وحده. وقد لجأت أكثر من 25 شركة عاملة في دول المجلس، بما في ذلك شركات طاقة وطنية ودولية، إلى إعلان حالة القوة القاهرة. وكانت «قطر للطاقة» أول من فعّل هذا الإجراء الطارئ عقب عدة موجات من الضربات الإيرانية على رأس لفان، أحد أكبر مرافق الغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد تراجعت القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال لدى «قطر للطاقة» بنسبة 17%، مع تقديرات تشير إلى الحاجة من 3 إلى 5 سنوات لاستعادة كامل طاقة المنشأة. وبما أن قطر توفّر نحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، فإن التساؤلات العاجلة ستظل قائمة بشأن أمن إمدادات الغاز العالمية في مرحلة ما بعد النزاع.

وبوصفها المركز المالي الأبرز في الخليج، إلى جانب كونها محورًا حيويًا للشحن الدولي وعمليات العبور، شكّلت دولة الإمارات العربية المتحدة محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى ممارسة الضغط على الولايات المتحدة عبر تعظيم الأثر الاقتصادي وتعطيل حركة التجارة العالمية. وقد تعرّضت الإمارات لعدد من المقذوفات الإيرانية يفوق ما استُهدفت به جميع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى مجتمعة، وتكبّدت، بفارق كبير، أوسع وأشدّ أنواع الأضرار تنوعًا داخل المجموعة.

وقد تم تسجيل 48 إصابة مؤكدة طالت مواقع استراتيجية وحيوية، من بينها معالم بارزة في دبي مثل برج العرب ومركز دبي المالي العالمي، إلى جانب ميناء جبل علي، ومجمّع الفجيرة للبتروكيماويات والتخزين، ومصفاة الرويس، ومطارات دولية، ومراكز بيانات «أمازون ويب سيرفيسز». وقد أسهم تمركز هذه الأهداف عالية القيمة ضمن نطاق جغرافي قريب نسبيًا من إيران في زيادة قابلية القطاعات الاقتصادية الرئيسية في الإمارات للتأثر بالنزاع.

كما سعت إيران إلى إضفاء شرعية على استهدافها غير المتناسب للإمارات من خلال تسليط الضوء على علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، لا سيما في ظل الاستثمارات الكبيرة التي ضختها الإمارات خلال السنوات الأخيرة في مجالي التسليح والتكنولوجيا الإسرائيليين.

 

حدود الردع الدبلوماسي

تكشف الهجمات الإيرانية على جيرانها الذين عرضوا التوسّط عن حدود الانخراط الدبلوماسي ومظلّته الوقائية. فقد قامت كلٌّ من عُمان وقطر، خلال الأشهر الماضية، بدور نشط وعاجل في تسهيل المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، ومع ذلك تعرّضت البنية التحتية للطاقة والنقل في البلدين للاستهداف. وكانت عُمان الأقل تعرّضًا للهجمات والأدنى من حيث حجم الأضرار، فيما وصف وزير خارجيتها الردّ الإيراني بأنه «نتيجة حتمية» للعدوان الأمريكي–الإسرائيلي.

وعلى النقيض، ومع تكبّدها خسائر اقتصادية كبيرة، أصدرت قطر إدانات شديدة لإيران، وطردت دبلوماسيين إيرانيين رفيعي المستوى، وأبدت تردّدًا في مواصلة الوساطة.

كما سعت كلٌّ من السعودية والإمارات إلى الحيلولة دون وقوع الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وأكدتا، قبيل اندلاع الحرب، أن أراضيهما لن تُستخدم لشن هجمات ضدها. غير أن استمرار الضربات الإيرانية أظهر تجاهل طهران لجهودهما الدبلوماسية القائمة على حسن النية، وللتداعيات طويلة الأمد على علاقاتهما الثنائية. ونتيجة لذلك، ضاق هامش المناورة أمام دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ لم تعد الدبلوماسية وحدها — من منظور خليجي — كافية لاحتواء تداعيات التصعيد الإقليمي، بل يتعيّن تعزيزها بأطر أمن جماعي أكثر صلابة وقدرات تقليدية أقوى.

وقد أبرزت ردود فعل دول المجلس على استهداف إسرائيل لحقل غاز «بارس الجنوبي» في إيران محدودية القيمة الردعية للدبلوماسية. فقد حذّرت عُمان وقطر والإمارات علنًا من أن مثل هذه الضربات تمثّل تصعيدًا خطيرًا، وشدّدت على ضرورة تجنّب استهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة والمناطق المدنية. إلا أن الهجمات الإيرانية اللاحقة على مواقع مرتبطة بالطاقة في كلٍّ من قطر والسعودية والإمارات دلّت على أن تلك التحذيرات لم يكن لها تأثير رادع يُذكر.

ويبدو أن ذلك دفع دول المجلس إلى تجاوز الاكتفاء بالإشارات الدبلوماسية نحو تبنّي أوضاع دفاعية أكثر صرامة. وقد لخّص وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، هذا التحوّل عندما صرّح علنًا بأن صبر المملكة وسائر دول المجلس ليس بلا حدود، وأن لديها «قدرات وإمكانات كبيرة للغاية» يمكن حشدها عند الضرورة.

 

إعادة ترتيب هندسة الأمن الإقليمي

لطالما استندت منظومة الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي إلى فكرة أن الضمانة الأمنية الأمريكية تُشكّل الركيزة الأساسية للردع الإقليمي؛ إلا أن هذه الفرضية تعرّضت لتآكل فعلي في ظل الحرب. وبالمقارنة مع بقية دول المجلس، تكبّدت الكويت أعلى نسبة من أضرارها في مواقع عسكرية، بما في ذلك قاعدة علي السالم الجوية الاستراتيجية التابعة للولايات المتحدة. وقد جعل الوجود العسكري الأمريكي من الكويت هدفًا رئيسيًا، لكنه لم يكن كافيًا لحماية أراضيها.

وفي سياق تبريرها لاختيار أهدافها في أماكن أخرى، اتهمت إيران دول مجلس التعاون بتسهيل العملية العسكرية الأمريكية بشكل غير مباشر، حيث وجّه مسؤولون إيرانيون اتهامات محددة لكلٍّ من البحرين والإمارات.

وعلى الرغم من المعدلات المرتفعة نسبيًا لاعتراض المقذوفات الإيرانية من قبل دول المجلس، فإن نجاح إيران في إصابة أصول عالية القيمة يكشف حدود منظومة الدفاع الجوي والصاروخي لديها. كما يعتقد بعض المسؤولين والمحللين في دول المجلس أن الولايات المتحدة قد منحت أولوية للدفاع عن إسرائيل على حساب دول الخليج في المراحل الأولى من الحرب.

وقد دفع ذلك دول المجلس إلى التوجّه نحو شركاء آخرين طلبًا للدعم؛ إذ نشرت كلٌّ من المملكة المتحدة وفرنسا طائرات مقاتلة لاعتراض الطائرات المسيّرة الإيرانية فوق البحرين وقطر والإمارات، كما حظيت أوكرانيا باهتمام متزايد نظرًا لتقدّمها في تقنيات الطائرات المسيّرة ومكافحة المسيّرات.

ومع انتهاء هذه المرحلة من النزاع، من المرجّح أن تبدأ دول مجلس التعاون في إعادة تقييم التوازن الأمثل بين الدفاع والردع وشبكة التحالفات الأوسع، بما يخدم متطلبات أمنها المستقبلي.

لقراءة المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: 

https://www.iiss.org/online-analysis/online-analysis/2026/03/mapping-the-damage-iranian-strikes-on-the-gcc/

 


التعليقات