تقرير: باب المندب يدخل معادلة التصعيد.. إيران تهدد بفتح جبهة بحرية ثانية بجانب مضيق هرمز
يمن فيوتشر - بلومبرغ الشرق الإثنين, 23 مارس, 2026 - 02:19 صباحاً
تقرير: باب المندب يدخل معادلة التصعيد.. إيران تهدد بفتح جبهة بحرية ثانية بجانب مضيق هرمز

[ سفينة الشحن ]

في أحدث تصعيد، لوّحت إيران صراحةً بنقل المواجهة إلى ممر بحري آخر لا يقل حساسية: باب المندب. تحذير عسكري نقلته وكالة “تسنيم” ربط بشكل مباشر بين أي ضربة أميركية لمنشآت النفط في جزيرة خرج وبين فتح جبهة اضطراب في البحر الأحمر، مهدداً بـ“رد غير مسبوق”.

اتجه تركيز الأسواق العالمية منذ أسابيع إلى مضيق هرمز باعتباره العقدة الأكثر حساسية في تجارة النفط، لكن إشارات التصعيد الأخيرة من طهران تشير إلى أن المعادلة قد تتغير سريعاً. فبدلاً من الاكتفاء بالضغط عبر هرمز، تلوّح إيران بفتح جبهة موازية في البحر الأحمر، عبر مضيق باب المندب، ما يوسع نطاق المخاطر من نقطة اختناق واحدة إلى ممرين استراتيجيين في آن واحد.

التهديد الأخير لم يعد نظرياً. إذ نقلت وكالة "تسنيم" أمس عن مصدر عسكري إيراني تحذيراً واضحاً بأن أي هجوم أميركي على جزيرة خرج -وهي المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني- "سيوفر مساراً لانعدام الأمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب"، مع تهديد بـ"رد غير مسبوق" يتجاوز ما شهدته الأسابيع الثلاثة الماضية.

هذا التحول في الخطاب يعكس انتقالاً من سياسة "الرد الموضعي" إلى "توسيع مسرح العمليات”، بما يجعل باب المندب جزءاً من معادلة الحرب الإيرانية، وليس مجرد ساحة ثانوية عبر جماعة الحوثي الموالية لطهران في اليمن..

وقبل أسابيع قليلة، قال مصدر يمني قريب من الحكومة إن إيران أصدرت توجيهات لجماعة الحوثي للانخراط في عمليات عسكرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وفق ما نقلته صحيفة "عرب نيوز". 


لماذا يعد باب المندب من أهم نقاط الاختناق البحرية؟
تنبع أهمية باب المندب أولاً من موقعه، فالمضيق يقع بين اليمن من جهة والقرن الأفريقي من جهة أخرى، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والبحر العربي. 

وتوضح "إدارة معلومات الطاقة الأميركية" أن معظم صادرات النفط والغاز الخارجة من الخليج والمتجهة إلى قناة السويس أو خط سوميد تمر عبر باب المندب ومضيق هرمز معاً، ما يعني أن الممر ليس ممراً منفصلاً عن هرمز بقدر ما هو امتداد له على خط التجارة والطاقة بين الخليج وأوروبا. 
وفي تقييم الإدارة لأهم نقاط الاختناق البحرية، مرّ عبر باب المندب في 2023 نحو 9.3 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، ما يضعه بين أهم ممرات عبور الطاقة في العالم.  


من يسيطر على باب المندب عملياً؟
من الناحية الجغرافية، تطل على المضيق كل من اليمن وجيبوتي وإريتريا، لكن السيطرة الفعلية عليه تتجاوز حدود السيادة.
وتستضيف جيبوتي قواعد عسكرية لقوى دولية، بينها الولايات المتحدة والصين، ما يعكس أهمية الممر في التوازنات العسكرية. كما تنتشر قوات بحرية دولية في البحر الأحمر وخليج عدن لتأمين الملاحة.

في المقابل، يمنح الموقع الجغرافي لليمن جماعة الحوثي قدرة على تهديد السفن في الممر، وهو ما ظهر في الهجمات التي بدأت أواخر 2023.
هذا التداخل بين الدول والقوى الدولية والمجموعات غير الحكومية يجعل "السيطرة" في باب المندب مرتبطة بقدرة التأثير على الملاحة، وليس فقط بالسيطرة القانونية على المضيق.


ما حجم التجارة والطاقة التي تمر عبر باب المندب؟
يمر عبر باب المندب جزء مهم من التجارة العالمية المنقولة بحراً، خاصة بين آسيا وأوروبا. صندوق النقد الدولي أشار إلى أن التجارة عبر قناة السويس، التي يمر عبرها 12% من حجم التجارة العالمية، انخفضت بنحو 50% في أول شهرين من 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، نتيجة أزمة البحر الأحمر.

أما حركة الحاويات عبر قناة السويس فتراجعت بنحو 70% بحلول منتصف 2024، بينما ارتفعت الرحلات حول رأس الرجاء الصالح بنسبة 89% مع إعادة توجيه السفن، وفق "أونكتاد".

وفي سوق الطاقة، أظهرت بيانات "إدارة معلومات الطاقة" أن تدفقات النفط عبر باب المندب انخفضت إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً في 2024، مقارنة بـ9.3 مليون في 2023، ما يعكس تأثير المخاطر الأمنية على حركة الطاقة.

أما حجم الغاز المسال الذي تم نقله عبر المضيق فانخفض من 4.2 مليار قدم مكعب في 2023، إلى صفر في 2024 والنصف الأول من 2025.


كيف يمكن أن يتحول باب المندب إلى سلاح جديد في يد إيران؟
ارتبطت قدرة إيران على التأثير في أسواق الطاقة تاريخياً بمضيق هرمز، لكن هجمات الحوثيين في 2023 كرست نموذجاً قائماً على الإغلاق الجزئي لا الكامل، وهو ما يحدث اليوم في هرمز.  
هجمات الحوثيين على سفن في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 أظهرت أن مجرد ارتفاع المخاطر يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ووفق صندوق النقد الدولي، تسببت هذه الهجمات في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن دون إغلاق رسمي للممر.

في هذا السياق، يمكن أن يتحول باب المندب إلى أداة ضغط غير مباشرة، حيث يسمح التأثير على حركة السفن بزيادة كلفة التجارة والطاقة، ما يعزز قدرة إيران ووكلائها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر ممر بحري جديد.


من المتضرر من اضطراب باب المندب؟
تتوزع آثار أي اضطراب في باب المندب على عدة مستويات جغرافية واقتصادية في وقت واحد، وتأتي مصر في مقدمة المتضررين، نظراً لاعتماد قناة السويس على تدفقات السفن عبر البحر الأحمر. خسائر إيرادات القناة قُدرت بنحو 7 مليارات دولار في 2024 نتيجة تراجع حركة العبور، حسبما ذكر المتحدث باسم الرئاسة المصرية في ديسمبر 2024.

وفي أوروبا، ينعكس اضطراب الممر على زمن وكلفة الواردات، خاصة الطاقة والسلع القادمة من آسيا والخليج. فتحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 إلى 14 يوماً إلى زمن الرحلات البحرية حسبما ذكرت "رويترز" حينها، كما يزيد تكاليف الوقود والتأمين.
أما على مستوى التجارة العالمية، فقد أدى تحويل المسارات إلى زيادة الضغط على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن. وتشير بيانات "أونكتاد" إلى ارتفاع الرحلات حول رأس الرجاء الصالح بنسبة 89%، ما يعكس حجم التحول في حركة التجارة.
ويمتد التأثير إلى الاقتصاد العالمي ككل، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والتأمين إلى ضغوط على الأسعار، خاصة في ظل ارتباط الممر بتدفقات الطاقة والسلع الأساسية.
من حيث كلفة التأمين، ارتفعت أقساط مخاطر الحرب على السفن العابرة للبحر الأحمر بشكل ملحوظ مع تصاعد الهجمات. وفي الأسابيع الأخيرة من 2023، تجاوزت هذه الأقساط 0.3% من قيمة السفينة، أي نحو ضعف المستويات المسجلة في منتصف أكتوبر، وبحلول أوائل فبراير 2024، أشارت تقارير إلى ارتفاع هذه الأقساط إلى ما بين 0.7% و1% من قيمة السفينة، مقارنة بأقل من 0.1% في الفترات الطبيعية، وفق تقرير "أونكتاد". 


هل من بديل لباب المندب؟
يبقى باب المندب ممراً حيوياً لا يملك العالم بديلاً مكافئاً له في الربط بين آسيا وأوروبا، فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح خيارٌ أطول وأكثر كلفة.
وفي ظل التوترات الحالية، لا تكمن خطورة المضيق في إغلاقه الكامل، بل في بقائه مفتوحاً تحت التهديد، وهو ما يكفي لرفع تكاليف التجارة والطاقة عالمياً.
ومع اتساع المواجهة المرتبطة بإيران، قد يتحول باب المندب من ممر تجاري إلى جبهة ضغط بحرية موازية لمضيق هرمز، تضاعف تأثير أي تصعيد على الاقتصاد العالمي.


التعليقات