منذ انطلاق الضربات الإيرانية على دول الخليج، بعد تعرضها لهجمات أميركية إسرائيلية، أضحت المنطقة برمتها عرضة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. ورغم اتساع نطاق هذه العمليات ليشمل أكثر من دولة في المنطقة، فإن البيانات الرسمية والتقارير الإعلامية الدولية تظهر بوضوح أن الدول، وخصوصا الخلجية، لم تتعرض إلى قدر متساو من الهجمات الإيرانية.
بحسب تقرير صادر عن وكالة الاناضول، استند إلى بيانات رسمية صادرة عن الدول المعنية، فقد استهدفت إيران، حتى مساء الاثنين الماضي، مواقع في سبع دول عربية بما لا يقل عن 3095 صاروخ وطائرة مسيرة، إضافة إلى طائرتين مقاتلتين.
وقد استمرت الهجمات حتى بعد إعلان الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في خطاب متلفز، الأحد الماضي، وقف الضربات على الدول المجاورة، باستثناء الحالات التي قد تنطلق فيها هجمات ضد إيران من أراضي تلك الدول.
ويرى الدكتور ظافر العجمي، المحلل السياسي والعسكري أن هذا التباين في استهداف دول الخليج “لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة عشوائية أو ظرف عملياتي مؤقت، بل يعكس نمطا مدروسا في إدارة التصعيد تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية والضرورات العملياتية مع الرسائل السياسية التي تسعى إيران إلى إيصالها ضمن معادلة الردع الإقليمي”.
ويقول اللواء الركن الدكتور زايد العمري إن تفاوت الاستهداف يعكس موقع كل دولة خليجية في الحسابات الإيرانية، إذ ترتبط كثافة الضربات بحجم دورها السياسي والأمني ومدى قربها من الملفات التي تعدها طهران جزءا من أمنها القومي أو نطاق نفوذها.
وتصدرت الإمارات قائمة الدول الأكثر تعرضا للهجمات الإيرانية، تلتها الكويت ثم البحرين وقطر والأردن والسعودية، فيما بقيت سلطنة عمان الأقل استهدافا، إذ لم يسجل باتجاهها سوى نحو ثماني طائرات مسيرة.
وفي الإمارات، أكدت وزارة الدفاع أن منظومات الدفاع الجوي تعاملت مرارا مع هجمات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران. ووفق الحصيلة التراكمية المعلنة، تم رصد 262 صاروخا باليستيا منذ بداية الاعتداءات الإيرانية، تمكنت الدفاعات الجوية من تدمير 241 منها، بينما سقط 19 صاروخا في البحر وصاروخان داخل أراضي الدولة. كما رصدت 1475 طائرة مسيرة، نجحت الدفاعات الجوية في اعتراض وتدمير 1385 منها، إضافة إلى إسقاط ثمانية صواريخ جوالة.
وتشير البيانات الكويتية المتاحة إلى تسجيل ما لا يقل عن 238 صاروخا و430 طائرة مسيرة استهدفت الأراضي الكويتية خلال فترة التصعيد. وأفادت السلطات الكويتية بوقوع هجمات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة خلال الفترة الممتدة بين الثاني والخامس من مارس، دون تقديم بيانات تفصيلية دقيقة عن تلك المرحلة. وتشير معلومات لاحقة إلى أنه بين السادس والتاسع من مارس تم رصد 120 صاروخا باليستيا، جرى اعتراض 17 منها خلال تلك الفترة، في حين تم تسجيل 208 طائرات مسيرة تمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض 22 طائرة منها خلال الفترة نفسها.
وفي البحرين، أعلنت القيادة العامة لقوة دفاع البحرين أن منظومات الدفاع الجوي تمكنت منذ بداية الهجمات الإيرانية من اعتراض وتدمير 106 صواريخ و176 طائرة مسيرة.
ولم تعلن قطر حصيلة إجمالية للهجمات، إلا أن البيانات المتاحة تشير إلى رصد 127 صاروخا باليستيا تم اعتراض 118 منها، إضافة إلى اكتشاف 63 طائرة مسيرة جرى اعتراض 47 منها. وتم تسجيل اكتشاف واعتراض سبعة صواريخ أخرى، فضلا عن رصد طائرتين مقاتلتين من طراز سو-24 تم اكتشافهما واعتراضهما.
وامتدت الهجمات لتشمل السعودية؛ إلا أن مستوى الاستهداف الذي سجلته المملكة جاء بدرجة أقل مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى التي واجهت عددا أكبر من الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة خلال فترة التصعيد.
ورغم استمرار الهجمات في عدد من الدول الخليجية، تشير المؤشرات العسكرية والسياسية إلى تراجع ملحوظ في وتيرة الضربات مقارنة ببداية التصعيد. فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن الهجمات الصاروخية الباليستية الإيرانية تراجعت بأكثر من 90 في المئة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، فيما انخفضت هجمات الطائرات المسيرة بنحو 85 في المئة خلال الفترة نفسها.
ويشير العمري إلى أن دول الخليج لا تحتل الموقع نفسه في الحسابات الإيرانية، إذ يرتبط مستوى الاستهداف بحجم دور الدولة السياسي والأمني ومدى قربها من الملفات التي تعدها طهران جزءا من أمنها القومي أو نطاق نفوذها.
ويرى الدكتور ظافر العجمي أن التصعيد الإيراني يقوم على استراتيجية “الضغط المتدرج”، حيث تتداخل الأدوات العسكرية والسياسية. فالدول التي تستضيف قواعد عسكرية غربية تصبح أهدافا أولية لتعطيل الإمداد العسكري، بينما يسهم تفاوت الضربات في منع تشكل جبهة خليجية موحدة عبر الضغط على بعض الدول والإبقاء على قنوات تواصل مع أخرى.
ويضيف العجمي أن هذا التباين يعكس تقدير إيران لمستوى التهديد أكثر من مجرد الأهمية. فبينما تعد مراكز الطاقة أهدافا استراتيجية لرفع الكلفة الاقتصادية للصراع، قد تبقى بعض الدول بعيدة عن الاستهداف المكثف لتجنب ردود دولية غير محسوبة. كما تلعب الجغرافيا والقدرات الدفاعية دورا حاسما، إذ يمنح القرب من السواحل الإيرانية طهران ميزة عملياتية في استخدام المسيّرات والصواريخ قصيرة المدى، بينما تحد أنظمة الدفاع المتقدمة مثل “باتريوت” و”ثاد” من فاعلية هذه الهجمات وتعزز توازن الردع.
ويثير الهجوم الإيراني على عدد من دول الخليج، في أعقاب الضربات الأميركية والإسرائيلية، تساؤلات حول ما إذا كان مجرد رد عسكري على مصالح أميركية في المنطقة أم أنه يحمل أيضا رسائل سياسية موجهة إلى دول الخليج، خاصة في ظل تفاوت مستوى الاستهداف بين دولة وأخرى.
ويقول الدكتور ظافر العجمي إن العمل العسكري لا ينفصل عن أهدافه السياسية، إذ يستخدم استهداف المنشآت الاقتصادية أحيانا لإيصال رسائل تؤثر في مواقف الدول الدبلوماسية وتظهر القدرة على الوصول إلى عمقها الحيوي. ويرى أن تفاوت الهجمات يعكس استراتيجية ضغط تهدف إلى إرباك الموقف الخليجي، في وقت اتجه فيه الرد الخليجي إلى المسارين العسكري والدبلوماسي عبر تحرك جماعي في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإدانة الهجمات وحشد دعم دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز.
من جهته، يرى الدكتور زايد العمري أن اختيار الأهداف في مثل هذه العمليات يحمل أبعادا سياسية بقدر ما يحمل طابعا عسكريا، إذ لا يقاس تأثير الضربة بحجم التدمير فقط، بل أيضا بالأثر النفسي والسياسي والإعلامي الذي تخلّفه. وبحسب العمري، قد تستخدم الضربات لإرسال إشارات ردع أو ضغط إلى دول بعينها، لتبدو في ظاهرها عمليات عسكرية لكنها تحمل في جوهرها رسائل سياسية.