لم تكن تفصل بين الحياة والموت سوى نحو 15 ثانية بالنسبة لطيّاري طائرة إف-16 فايتنغ فالكون من فئة “وايلد ويزل”، المقدم ويليام باركس المعروف بـ”سكيت”، والرائد مايكل بليا المعروف بـ”دينجر”، أثناء تحليقهما ليلاً في سماء اليمن.
وإلى جانب عدة قاذفات شبحية من طراز بي-2 سبيريت وطائرات أخرى، كان الطياران جزءاً من مهمة معقدة استهدفت منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية التابعة للحوثيين في اليمن، بتاريخ 27 مارس/آذار 2025. وبعد أن ألقت القاذفات قنابلها، بدأت مقاتلات إف-16 بالانسحاب من المنطقة، على أمل الوصول سريعاً إلى الأجواء فوق البحر الأحمر.
لكنّ الطيارين تحوّلا فجأة إلى أهداف. فبعد أن لاحظ باركس وبليا ومضاً ينطلق من الأرض، أدركا أنهما باتا في مرمى صاروخ أرض–جو متجه نحوهما، ليتحوّل الصياد إلى فريسة.
وقد سمحت القوات الجوية الأمريكية لمجلة Air & Space Forces Magazine بإجراء مقابلات مع باركس وبليا حول تلك المهمة العصيبة، التي حصلا بسببها على وسام النجمة الفضية. ويعد هذا الوسام واحداً من أقل من مئة وسام شجاعة مُنحت لأفراد القوات الجوية منذ تأسيسها كقوة مستقلة عام 1947. والنجمة الفضية هي ثالث أعلى وسام للشجاعة في الجيش الأمريكي بعد وسام الشرف وأوسمة الصليب القتالي الخاصة بفروع القوات المسلحة.
ورغم أن الطيارين والمتحدثين باسم القوات الجوية لم يحددوا صراحة الجهة المعادية، فإن مقابلات مع مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين أكدت أن الأحداث وقعت فوق اليمن والبحر الأحمر. كما أشير إلى عمليات السرب ضد الحوثيين في وثيقة منح وسام أخرى على الأقل.
وتستند هذه الرواية للمهمة، وكذلك لعملية رف رايدر — وهي حملة جوية استمرت 52 يوماً ضد الحوثيين — إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين مطلعين على تفاصيل الحملة.
كما مُنحت أوسمة أخرى في تلك الليلة؛ إذ حصل طاقم طائرة للتزوّد بالوقود — يضم طيّارين اثنين ومشغّل ذراع التزويد الذي خاطر بدخول منطقة الخطر — على وسام الصليب للطيران المتميز تقديراً لجهودهم. وقال مسؤول في القوات الجوية إن الأوسمة ستُسلّم رسمياً في مارس/آذار. كما مُنح المقدم ويليام “سكيت” باركس وسام النجمة البرونزية تقديراً لعمله خلال انتشار السرب.
وقد اتسمت العملية بهيكل قيادي غير معتاد. فقبيل إطلاق عملية رف رايدر، نقل قائد القيادة المركزية الأمريكية آنذاك، الجنرال مايكل “إريك” كوريلا، مسؤولية إدارة العمليات الجوية ضد الحوثيين من القوات الجوية للقيادة المركزية ومن قيادة المكوّن الجوي للقوات المشتركة (CFACC)، إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة في فورت براغ بولاية نورث كارولاينا، بقيادة نائب الأميرال فرانك “ميتْش” برادلي.
ويرجَّح أن تكون تلك المرة الأولى التي تُدار فيها حملة جوية بهذا الحجم في الشرق الأوسط من قبل قيادة العمليات الخاصة المشتركة، وهو قرار لا يزال مثار جدل بين ضباط عسكريين حاليين ومتقاعدين. فبينما يرى بعض عناصر العمليات الخاصة السابقين أن هذا التحول كان مناسباً نظراً لخبرة JSOC في تفكيك الشبكات المسلحة، يرى منتقدو القرار أنه جعل الحملة تميل أكثر نحو ملاحقة قادة الحوثيين على حساب استهداف البنية التي يعتمدون عليها، بما في ذلك مواقع الدفاع الجوي. وقد امتنعت جميع القيادات المعنية — CENTCOM والقوات الجوية للقيادة المركزية وقيادة العمليات الخاصة — عن التعليق على القرار.
• الأول دخولاً… الأخير خروجاً
انطلقت عملية راف رايدر في 15 مارس/آذار 2025. وكانت حاملة الطائرات هاري إس. ترومان متمركزة قبالة السواحل اليمنية، وقد امتلأ سطحها بمقاتلات إف/إيه-18 سوبر هورنت وطائرات الحرب الإلكترونية إي إيه-18 غراولر، إلى جانب طائرات مسيّرة من طراز MQ-9 ريبر.
وبحلول 25 مارس/آذار، بدأت ست قاذفات شبحية من طراز بي-2 سبيريت بالوصول إلى جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. ورغم امتناع القوات الجوية عن التعليق على دورها، فإن مطلعين أكدوا مشاركتها في هجوم 27 مارس/آذار.
وكان باركس وبليا — وهما من السرب المقاتل رقم 480 المتمركز في قاعدة سبانغداهلم الجوية في ألمانيا — قد انتشرا في الشرق الأوسط منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 وحتى يوليو/تموز 2025. وتُعرف مقاتلات السرب باسم وايلد ويزل، وهي مجهّزة لمهمة قمع الدفاعات الجوية المعادية (SEAD).
تحمل طائرات إف-16 رادارات مصفوفة ممسوحة إلكترونياً نشطة، إضافة إلى نظام صواريخ موجهة بالليزر APKWS لاعتراض الطائرات المسيّرة، كما تساعدها حاضنات استهداف صواريخ هارم على رصد مواقع صواريخ أرض–جو.
ويتبنى طيارو “وايلد ويزل” شعار “First In, Last Out” أي “الأول دخولاً… والأخير خروجاً”، ويستخدمون أيضاً شعار YGBSM الشهير داخل الوحدة.
كانت مهمة 27 مارس/آذار أول عملية ليلية للمقدم باركس ضمن الحملة. وبصفته قائد المهمة، بدأ الإيجازات قبل يومين، محاولاً تغيير mindset الطيارين من عمليات متعددة المهام ضد داعش، إلى التركيز على مهمة SEAD في اليمن.
ولم يعلن الجيش الأمريكي عن القاعدة التي انطلقت منها الطائرات، لكن القيود الجوية فرضت المرور عبر البحر الأحمر عند الدخول والخروج.
في تلك الليلة، رافقت الطائرتين مقاتلتان أخريان من السرب. وكانت المهمة قمع الدفاعات الجوية وتشتيت انتباه الحوثيين عن الهجوم الرئيسي.
قال باركس إن فلسفة وايلد ويزل تقوم على جذب الخصم للتركيز عليهم، لكنه أشار إلى أن هذا لا يعني توقع تعرضهم لنيران كثيفة مباشرة.
بعد دقائق من بدء المهمة، بدا أن الحوثيين رصدوا الطائرات. فقد ظهرت على الأرض ومضات اعتقدها البعض ألعاباً نارية، لكنها كانت إشارات للتواصل بين عناصر الدفاع الجوي.
قال باركس:
“كانوا يعلمون أننا هنا، ونريدهم أن يركزوا علينا. لكن ذلك يتطلب منا اتخاذ قرار غير مريح بالتقدم أكثر نحو الخطر”.
يقول مسؤولون أمريكيون إن القوات الأمريكية لم تستوعب بالكامل شبكة الدفاع الجوي المرتجلة للحوثيين، التي جمعت بين صواريخ موجهة بالرادار ومراقبين بصريين وأجهزة استشعار كهروبصرية وأخرى بالأشعة تحت الحمراء.
وقال مسؤول دفاعي أمريكي رفيع:
“بذلنا جهداً لفهم الصورة العملياتية لديهم، لكننا لم نمتلك يوماً صورة كاملة”.
وصل باركس وبليا إلى هدفهما قرب صنعاء، وأطلق كل منهما صاروخاً من طراز AGM-88 HARM. وكان هذان من نحو 50 صاروخاً أُطلق خلال الحملة في حوالي 20 اشتباكاً. وكانت الحملة أول استخدام أمريكي لهذه الصواريخ منذ عملية أوديسي داون في ليبيا عام 2011.
أصابت الصواريخ أهدافها، وصمتت الدفاعات، لكن ذلك كان خداعاً. فبينما انسحبت الطائرات، كان الحوثيون يراقبونها استعداداً لكمين صاروخي (SAMbush).
قال باركس:
“لم نتلقَّ مؤشرات مسبقة تقريباً. كان لدينا 15 إلى 20 ثانية فقط من التحذير”.
اختار باركس مناورة الملاذ الأخير: التوجه مباشرة نحو الصاروخ لإرباكه. قال:
“مرّ الصاروخ تحت جناحي الأيسر مباشرة… قريباً بما يكفي لأن أسمع هديره”.
نجا باركس، لكن الخطر انتقل إلى بليا.
قال بليا:
“كانت فرصتي الوحيدة لجعله يخطئ هدفه”. وقد مرّ الصاروخ على بعد أقدام من مقدمة طائرته، بنحو 30 قدماً فقط.
وخلال 15 دقيقة تالية، تعرض الطياران لإطلاق ستة صواريخ، ونفذا مناورات دفاعية كثيفة واستخدما وسائل التشويش.
ونظراً لاستهلاك الوقود المرتفع خلال المناورات عالية الجاذبية، واجه الطياران خطر نفاد الوقود.
قال باركس:
“كنا نستخدم معدلات عالية جداً من الوقود… وهذا أدى فوراً إلى نقص كبير فيه”.
تدخل مركز العمليات الجوية المشتركة، وأرسل طائرة تزوّد بالوقود إلى منطقة الخطر. وكان بليا أول من تزود بالوقود.
قال بليا:
“لن أنسى أبداً استعداد طاقم التزوّد بالوقود للمساعدة فوراً”.
تشير وثيقة النجمة البرونزية لباركس إلى إنجازات السرب المقاتل الاستكشافي رقم 480، الذي قاده وتشمل مسؤوليته 56 فرداً و12 طائرة إف-16. وسجل السرب 108 عمليات إسقاط لطائرات مسيّرة وصواريخ كروز، وكان من أوائل من استخدم نظام APKWS كسلاح مضاد للمسيّرات، وحقق أول إسقاط باستخدام صواريخ AIM-9M منذ أكثر من 30 عاماً.
يعمل باركس الآن في البنتاغون، فيما يواصل بليا خدمته في السرب 480.
وتذكر وثيقة الوسام أن السرب نفذ “حملة عالية المخاطر ضد الحوثيين”، مستخدماً 134 قنبلة و47 صاروخ HARM، ونفذ الطيارون 9000 ساعة طيران و1400 مهمة تحت تهديد 22 اشتباكاً مع الدفاعات الجوية.
لكن الاستقبال الأكثر تأثيراً كان عند عودتهم إلى القاعدة، حيث انتظرهم عشرات الفنيين وأعضاء الطواقم.
قال بليا:
“عندما رأيت نحو 30 شخصاً أمامي، كانت تلك أول لحظة يستوعب فيها عقلي ما حدث بالفعل”.
وصعد أحد أصدقائه السلم وهو يهتف:
“يا رجل… لقد عدت إلى المنزل!”
ثم اقترب باركس من بليا وقالا معاً:
“يا إلهي! يا لها من ليلة… لقد نجونا معاً”.