تحليل: ماذا يعني الاتفاق "الشامل" بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية؟
يمن فيوتشر - مونت كارلو الدولية الإثنين, 02 فبراير, 2026 - 11:18 صباحاً
تحليل: ماذا يعني الاتفاق

يدخل الاتفاق الموصوف بـ"الشامل" بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية الاثنين حيّز التنفيذ، في تحول يُعدّ منعطفا هاما في مسار سوريا، فبعد أسابيع من العمليات العسكرية التي أعادت لدمشق السيطرة على معظم شمال شرق البلاد، تبلورت صيغة تفاهم متعددة المراحل تقوم على وقف النار، وإعادة انتشار القوات، ودمج البنى العسكرية والإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة، مقابل ضمانات حقوقية وإدارية للأكراد.

وينص الاتفاق على إعلان وقف إطلاق نار دائم وشامل، ووقف جميع عمليات الاعتقال والمداهمات على خلفية الأحداث الأخيرة.

 

ترتيبات ميدانية وإعادة انتشار

وفق المسودة، تتضمن الترتيبات العسكرية انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثكنات متفق عليها، مقابل انسحاب الجيش السوري فورا إلى بلدة الشدادي جنوب الحسكة، ما تنص على تشكيل فرقة عسكرية خاصة بمحافظة الحسكة من قبل وزارة الدفاع السورية، ودمج القوات التي يقودها أكراد ضمن ثلاثة ألوية، إضافة إلى دمج القوة العسكرية في كوباني ضمن لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب.

وتشمل الإجراءات الأمنية دخول 15 آلية أمنية إلى كل من الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار، وبدء عملية دمج قوى الأمن التابعة لقوات سوريا الديمقراطية ضمن وزارة الداخلية السورية.

 

تعيينات مشتركة وإدارة مواقع حيوية

وتنص البنود على آلية مشتركة لتعيين المسؤولين المحليين، تشمل تعيين محافظ للحسكة بترشيح من قوات سوريا الديمقراطية وقائد للأمن بترشيح من الحكومة السورية، إلى جانب تعيين معاون لوزير الدفاع بترشيح من قائد القوات الجنرال مظلوم عبدي.

كما تتضمن المسودة نقل إدارة مواقع استراتيجية إلى مؤسسات الدولة، بينها حقلا رميلان والسويدية النفطيان لصالح وزارة الطاقة مع دمج الموظفين المدنيين، إضافة إلى تسلّم هيئة الطيران المدني مطار القامشلي.

وتقضي الترتيبات كذلك بإيفاد فرق من هيئة المنافذ البرية إلى معبري سيمالكا ونصيبين لتثبيت كوادر مدنية، ومنع إدخال السلاح والمقاتلين الأجانب، مع تفعيل المعابر فورا.

 

دمج إداري وضمانات مدنية وتعليمية

على الصعيد الإداري، ينص الاتفاق على تسلّم الحكومة السورية كامل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، مع تثبيت العاملين المدنيين فيها.

كما تشمل البنود منع دخول القوات العسكرية إلى المدن والبلدات من جميع الأطراف، ولا سيما المناطق ذات الغالبية الكردية، وتسوية الشهادات المدرسية والجامعية الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، وترخيص المنظمات المحلية والمؤسسات الثقافية والإعلامية وفق القوانين الناظمة.

وتنص الوثيقة أيضا على التنسيق مع وزارة التربية لمناقشة المسار التعليمي للمجتمع الكردي ومراعاة الخصوصية التعليمية، إضافة إلى العمل على تأمين عودة النازحين إلى مناطقهم، بما فيها عفرين والشيخ مقصود ورأس العين (سري كانيه)، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية هناك.

 

حظر تجول

وأعلن قائد هذه القوات مظلوم عبدي ان الاتفاق سيبدأ تطبيقه ميدانيا اعتبارا من الاثنين، على أن تتراجع قواته والقوات الحكومية من "خطوط الاشتباك"، وأعلنت قوات الأمن الكردية في بيان الأحد فرض حظر تجول في الحسكة الاثنين اعتبارا من السادسة صباحا (03:00 بتوقيت غرينيتش) وحتى السادسة مساء، على أن يُفرض الإجراء ذاته في القامشلي الثلاثاء.

وأوضحت أن ذلك يأتي "في إطار الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي"، وأفاد مصدر أمني كردي بأن قائد الأمن الداخلي في الحسكة مروان العلي زار الأحد مقر قوات الأمن الكردية (الأسايش) في مدينة القامشلي.

واختلفت تجربة الإدارة الذاتية في الشمال عن نماذج كردية أخرى، إذ حكمت منطقة ذات غالبية عربية، بينما احتفظ قادتها ومنهم مرتبطون بحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا لدى تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالقرار الأمني، ويقول منتقدون إن الإدارة لم تمنح المكونات العربية دورا متكافئا في القرار، ما أدى إلى توتر مع بعض العشائر، خاصة مع اقتراب نهاية الدعم الأميركي.

مسؤول عربي سابق في صفوف قوات سوريا الديمقراطية قال إنها كانت أكثر قابلية للحوار من النظام السابق، لكنها لم تنجح في بناء نموذج حوكمة متوازن، كما أشار إلى أن السلطة الجديدة في دمشق لم تنجح بعد في بناء هوية وطنية جامعة، ما يفاقم المخاوف الكردية.

 

غموض في آليات التنفيذ

وقال مصدر كردي قريب من دوائر صنع القرار إن الاتفاق وهو الثالث من نوعه خلال أقل من عام يُتوقع أن "يسير بشكل جيد" لأن تركيا، التي وصفها بأنها "العامل الأكبر في المشهد"، لم تحصل على ما تريده.

ونسب المصدر الفضل إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المساعدة على إبرام الاتفاق، قائلا: "هذه المرة تمكّنا عبر إدارة ترامب وترامب شخصيا من التوصل إلى حل".

من جهته، قال ممثل سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي إن التنفيذ الكامل للاتفاق سيستغرق شهرا، وسيبدأ "بالجزء الأمني".

وذكرت وسائل إعلام رسمية أن مسؤولين أشرفوا الأحد على افتتاح مدارس في دير الزور والرقة، وهما محافظتان ذات غالبية عربية.

وعكس استمرار الانقسام على الأرض، خرج آلاف المتظاهرين الأحد في مدن الحسكة والقامشلي والمالكية الخاضعة للإدارة الذاتية دعما لما وصفوه بـ"المقاومة الكردية"، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ولم تظهر مؤشرات تذكر على بدء تنفيذ الاتفاق ميدانيا، باستثناء تجميد القتال، إذ واصلت القوات الحكومية وقوات عشائرية حليفة تطويق مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية في ريف حلب، كما انتشرت على أطراف مدينة الحسكة وبالقرب من طريقين يؤديان إلى حدود إقليم كردستان العراق، بحسب مصدر أمني في الأردن.

ورغم الترحيب الدولي الحذر، يرى مراقبون أن الاتفاق يفتح نافذة سياسية محدودة أكثر مما يقدّم حلا نهائيا، إذ تبقى ملفات جوهرية معلّقة، من بينها شكل اللامركزية، وضمانات عدم العودة إلى المعالجة الأمنية الصرفة، ودور الأطراف الدولية في مراقبة التنفيذ، وفي بلد مثقل بتجارب الاتفاقات الهشّة، يظل الحكم النهائي مرهونا بما ستُظهره الوقائع على الأرض.


التعليقات