تقرير: التطورات في جنوب وشرق اليمن بين الحسابات المحلية والتجاذبات الإقليمية والدولية
يمن فيوتشر - نجيب العدوفي - Ultra swat الجمعة, 30 يناير, 2026 - 01:27 مساءً
تقرير: التطورات في جنوب وشرق اليمن بين الحسابات المحلية والتجاذبات الإقليمية والدولية

لم تكن التحولات السياسية والعسكرية في جنوب وشرق اليمن، وتحديدًا داخل جسد الحكومة الشرعية، دون صدى في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال البلاد.

وبالرغم من الصمت الرسمي للجماعة إزاء هذه التطورات، إلا أن مراقبين يرون أن هذا الصمت لا يعكس حالة اطمئنان، بقدر ما يرتبط بحساسية المرحلة وتعقيداتها.

 

تحذير حوثي من تغييب القضية الجنوبية

غياب الموقف الرسمي للجماعة لم يمنع بعض قيادات الصف الأول فيها من الظهور في تصريحات إعلامية تحدد موقفها مما يجري بصورة غير مباشرة، وفضّلت أن تكون موجهة إلى أبناء جنوب وشرق اليمن عبر خطاب ما أسمته تلك القيادات "المظلومية المشتركة"، محذرةً مما وصفته بالدور السعودي الجديد في الجنوب، إلى جانب مهاجمة قيادة الشرعية اليمنية، واتهامها بالارتهان للخارج والتفريط في سيادة البلاد.

ومن ضمن تلك التصريحات ما قاله عضو المكتب السياسي في جماعة الحوثيين، محمد الفرح، في حوار مع قناة "المسيرة" التابعة لهم، إن "الجماعة تهتم بكرامة اليمنيين وحريتهم وسيادة البلاد كاملة شمالًا وجنوبًا، وأنهم ينادون دائمًا بمظلومية الجنوب"، على حد قوله.

وعن الحوار بين مختلف المكونات الجنوبية المزمع عقده في الرياض، قال القيادي في جماعة الحوثي إن كل الحوارات التي دعت إليها السعودية لن تُنصف القضية الجنوبية، بل ستفاجئ أبناء الجنوب بأزمات جديدة، وتخلق أولويات مصطنعة للزجّ بهم في معارك تخدم أجندتها، بعيدًا عن أي حل عادل للقضية الجنوبية.

 

تحولات تخدم السلام

في المقابل، يرى الباحث الأول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عبدالغني الإرياني، أن التطورات الأخيرة في جنوب وشرق اليمن تحمل انعكاسات سلبية على جماعة الحوثي، وستقلص هوامش المناورة أمام الجماعة.

ويقول الإرياني لموقع "الترا صوت" إن "الأحداث الأخيرة في شرق اليمن أثرت سلبًا على الحوثي، لأنه سيجد الآن قوة موحدة في مواجهته، ولن يستطيع المراهنة على تفكك القيادة الشرعية أو على الخلافات الإماراتية–السعودية". ويعتقد الإرياني أن ذلك ي"صب في صالح السلام، لأن الحوثي لم يكن يقبل الحديث عن السلام إلا بشروطه، أي استسلام الحكومة وقبول مشاركة شكلية في سلطة هو من يتحكم بها".

ويشير الباحث عبدالغني الإرياني إلى أن "صمت جماعة الحوثي في هذه المرحلة الحساسة كان متوقعًا، لأنهم كانوا يأملون أن يطول الصراع السعودي–الإماراتي في اليمن ليكونوا المستفيد الأكبر، إلى جانب استعدادهم للعب دور إقليمي مرتبط بالتوتر المحيط بإيران"، مبينًا أن كل تحركات الحوثيين العسكرية خلال الفترة الماضية كانت "دفاعية وليست هجومية".

وعن الدور الإماراتي في اليمن، يقول الإرياني إنه حذّر منذ العام 2020 من هذا الدور، إذ دخلت أبوظبي الصراع لإحباط مخططات السعودية، على حد قوله، محذرًا في الوقت ذاته من فشل الشرعية في توحيد قواتها أو إنشاء قيادة عمليات مشتركة، لافتًا إلى أن ذلك "سيقود في النهاية إلى عودة الرياض للتفاوض مع الحوثيين وترك الحكومة تواجه مصيرها".

وفي سياق حديثه لموقع "الترا صوت"، يشير الإرياني إلى أن الحكومة اليمنية باتت "تملك حليفًا قويًا وحكيمًا"، في إشارة إلى السعودية، بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي وإنهاء الدور الإماراتي في اليمن، مبينًا أن ذلك يقود الشرعية اليمنية إلى التفاوض مع جماعة الحوثي وخلفها قوة رادعة تضغط على الجماعة لتقديم تنازلات تقود إلى سلام متوازن.

 

الموقف الإيراني من التطورات اليمنية

بالتوازي مع ذلك، كان الدور الإيراني حاضرًا في التعاطي مع التطورات في جنوب وشرق اليمن، حيث أعلنت طهران أنها تتابع عن كثب الأوضاع اليمنية الأخيرة، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس.

وجاء ذلك في تحركات لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أجرى اتصالين هاتفيين مع نظيريه السعودي فيصل بن فرحان، والإماراتي عبدالله بن زايد، لبحث العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع الميدانية في اليمن. وبحسب وكالة "إرنا" الإيرانية الرسمية، شدد وزير خارجية بلادها على "ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، والعمل الجاد على تنفيذ خارطة الطريق"، في موقف يعكس اهتمامًا إيرانيًا مباشرًا بمسار التطورات الجارية.

 

مشهد مرشح للتصعيد

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الإيراني وجدان عبدالرحمن أن مقاربة جماعة الحوثي للتطورات في جنوب وشرق اليمن لا تقوم على التقدم الميداني، إذ تدرك الجماعة أن أي تحرك عسكري باتجاه مناطق نفوذ الحكومة اليمنية ينطوي على تعقيدات ميدانية وسياسية كبيرة، وكلفته أعلى من مردوده. وتعتمد جماعة الحوثيين على استراتيجية تفكيك الخصوم بدلًا من المواجهة المباشرة، بما يتيح لها إدارة الصراع بأدوات غير عسكرية.

ويقول الباحث لموقع "الترا صوت" إن "جماعة الحوثي تراهن على هشاشة التحالف المناهض لها، فكلما ضعفت وانقسمت الأطراف المعادية لها انعكس ذلك لصالحها سياسيًا وتفاوضيًا، حيث تستثمر ذلك الانقسام وتقدّم مناطق سيطرتها بوصفها الأكثر استقرارًا".

ويشير الباحث وجدان عبدالرحمن إلى أن التوتر بين أبوظبي والرياض منذ العام 2019 كان أحد المكاسب الاستراتيجية غير المباشرة للحوثيين، وأسهم في إضعاف القرارين السياسي والعسكري للشرعية اليمنية، موضحًا أن أي انقسام داخلي للحكومة المعترف بها دوليًا أو تباين إقليمي يصب لمصلحة الحوثيين في حواراتهم الإقليمية وتحسين شروطهم التفاوضية، في حين أن أي تماسك حقيقي داخل معسكر الحكومة اليمنية من شأنه إضعاف موقف الحوثيين ورغبتهم في توسيع سيطرتهم على المناطق الغنية بالنفط.

وفيما يخص آفاق التسوية السياسية في اليمن، يستبعد وجدان عبدالرحمن التوصل إلى حل قريب للأزمة في ظل الخلافات السعودية–الإماراتية والانقسامات الجنوبية–الجنوبية، فضلًا عن تدخلات أطراف دولية لا تبدو مهتمة بإنهاء أزمة اليمن أكثر من استفادتها من حالة عدم الاستقرار، مؤكدًا أن المشهد اليمني مرشح لمزيد من التصعيد وإعادة إنتاج الصراع، خاصة في ظل غياب التوافق الإقليمي الواضح حول تقاسم النفوذ، ما يبقي جنوب اليمن في حالة توتر تؤجل أي فرص حقيقية لتسوية شاملة.

 

واقع يفرض مراجعة الحسابات

من جانبه، يرى مدير تحرير منصة "يمن فيوتشر"، نشوان العثماني، أن الحوثيين يقرؤون التطورات الأخيرة في جنوب وشرق اليمن من زاوية إضعاف خصومهم، لا بوصفها تهديدًا مباشرًا لنفوذهم.

ويقول لموقع "الترا صوت" إن "الجماعة راهنت خلال الفترة الماضية على هشاشة معسكر الشرعية اليمنية وتعدد مراكزه، واعتبرت عدم وجود تحالف متماسك فرصة لها ورافعة تفاوضية تقلل كلفة أي تسوية محتملة". ويشير إلى أن التباينات الإقليمية اليوم لم تعد تُقرأ بوصفها خلافًا سعوديًا–إماراتيًا بالمعنى التقليدي، إذ إن الحضور الإماراتي في الملف اليمني لم يعد مباشرًا أو حاسمًا كما كان خلال الفترات الماضية، ما يجعل ارتباط القرار اليمني اليوم بدرجة أكبر بالسعودية، وقد يفرض على الحوثيين إعادة حساباتهم إذا ما دفعت الرياض باتجاه توحيد صف الحكومة اليمنية.

أما ما يخص التسوية السياسية، فيرى العثماني أن الحوثيين يتعاملون معها "كأداة تكتيكية لإدارة الوقت وتحسين الشروط"، لا كمسار نهائي، مرجحًا استمرارهم في الجمع بين التصعيد المحسوب والمناورة السياسية، تحسبًا لأي تحولات إقليمية قد تكون أكثر حدة في المرحلة المقبلة.

 

مرحلة مفصلية

يبدو أن اليمن يتجه نحو مرحلة تختلف كليًا عن أكثر من عقد من الحرب، إذ يرى مراقبون أن البلاد دخلت تطورات مفصلية تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع التجاذبات الإقليمية والدولية، ما يفتح الباب أمام تحولات قد تعيد رسم موازين الصراع وتؤثر في مسارات الحرب والسلام.


التعليقات