كشف الصراع الأخير على النفوذ والأراضي في جنوب اليمن عن تصدّع عميق في العلاقة بين السعودية والإمارات، الحليفين الرئيسيين في الحرب ضد الحوثيين، ما أدى عملياً إلى تفكك التحالف المناهض للجماعة المدعومة من إيران. فقد سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، على مساحات واسعة جنوباً وشرقاً، قبل أن تستعيد قوات موالية للرياض معظمها، في مؤشر إلى تحوّل الخلاف من تباين سياسي إلى مواجهة ميدانية غير مباشرة.
ويأتي هذا التطور في سياق تاريخ يمني شديد التعقيد، إذ ظلّ البلد منقسماً بين شمال وجنوب حتى وحدة عام 1990، وهي وحدة سرعان ما رجّحت كفة الشمال وأشعلت نزعة انفصالية جنوبية تُوّجت بحرب 1994.
وفي الشمال، برز الحوثيون منذ أواخر التسعينيات احتجاجاً على التهميش السياسي والمذهبي، قبل أن يستغلوا انهيار الدولة عقب انتفاضة 2011 للسيطرة على صنعاء عام 2014، ما استدعى تدخلاً عسكرياً تقوده السعودية في 2015.
وفي الجنوب، مثّل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس بدعم إماراتي عام 2017، مظلة سياسية وعسكرية للتيار الانفصالي، واستند إلى قيادات ميدانية برزت خلال معركة عدن ضد الحوثيين.
ورغم دخوله الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي عام 2022، عاد دوره اليوم موضع شك، بعد إقصاء رئيسه عيدروس الزبيدي واتهامه بالخيانة، في ظل مؤشرات على تصدّعات داخلية واحتمال انقسامه مجدداً.
خلاف مزدوج
• داخل البيت الخليجي
على مستوى الدوافع الإقليمية، فتنطلق السعودية من هاجس أمني وجغرافي، باعتبار اليمن عمقها الجنوبي وأطول حدودها البرية، وتسعى إلى منع تفككه أو وقوعه بالكامل في النفوذ الإيراني. في المقابل، ركزت الإمارات على توسيع نفوذها البحري ومواجهة القوى الإسلامية، فدعمت الانفصاليين كقوة موازنة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ما أدى إلى تباين استراتيجي متزايد بين الطرفين.
لا يقتصر الصدع على التباين السعودي-الإماراتي حول النفوذ والموانئ وشكل الدولة اليمنية، بل يتقاطع مع انقسامات يمنية داخلية عميقة تجعل البلاد ساحة تصادم لمشاريع متعارضة.
فالسعودية تميل إلى الإبقاء على يمن موحّد، ولو بصيغة لامركزية، يضمن لها حدوداً مستقرة وسلطة مركزية يمكن ضبطها، بينما تتعامل الإمارات ببراغماتية مع واقع التفكك، وتستثمر في قوى محلية جنوبية تسعى للفدرالية أو الانفصال.
• داخل البيت اليمني
في المقابل، يعاني اليمنيون أنفسهم انقساماً حاداً بين ثلاث كتل رئيسية: الحوثيون في الشمال بمشروع سلطوي-عقائدي متحالف مع إيران، والشرعية المنقسمة في الوسط، والمجلس الانتقالي في الجنوب بمشروع انفصالي غير متوافق عليه جنوبياً، فيما يشبه أزمة هوية وطنية غير محسومة.
وتنعكس هذه الأزمة مباشرة على مسار الحرب الأهلية، إذ أضعفت الجبهة المناهضة للحوثيين دون أن تُحدث تغييراً جوهرياً في ميزان القوى القائم.
غير أن أي تصعيد واسع بين حلفاء الأمس يحمل مخاطر إقليمية أوسع، خاصة أن اليمن يشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، والذي شهد اضطرابات خطيرة بفعل هجمات الحوثيين على الملاحة خلال حرب غزة.