فتح لقاء تشاوري عُقد عبر الاتصال المرئي بين المجلس الوطني للأقليات في اليمن ومكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان مسارًا جديدًا لإعادة تموضع قضية الأقليات ضمن الأجندة الحقوقية والسياسية، بعدما انتقل النقاش من توصيف الانتهاكات إلى طرح آليات عملية تربط حرية الدين والمعتقد بمفهوم المواطنة المتساوية وبمسارات الحل السياسي في البلاد.
اللقاء، الذي دعا إليه المجلس الوطني للأقليات، ناقش واقع الأقليات والتحديات المرتبطة بحرية الدين والمعتقد، مع توجه نحو بلورة خطوات تنسيق مشترك، تزامنًا مع الذكرى الرابعة لتأسيس المجلس، في وقت يتجه فيه للتحول إلى ائتلاف وطني معني بالمواطنة وحرية الضمير.
وطرح رئيس المجلس نعمان الحذيفي مطلبًا مباشرًا بتثبيت مصطلح "الأقليات" في خطاب المفوضية وتقاريرها، باعتباره مدخلًا للاعتراف الرسمي بالقضية، إلى جانب التأكيد على ضرورة إشراك هذه المكونات في مشاورات السلام وعدم إقصائها من الترتيبات المستقبلية.
ودعا الحذيفي إلى فتح قناة تواصل مع مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن لضمان وصول صوت الأقليات إلى مستويات التفاوض، مشيرًا إلى تعقيدات مرتبطة بملف الترخيص تعكس حساسية سياسية وأمنية ما تزال تحد من الاعتراف المؤسسي بالقضية.
في المقابل، قدم الأمين العام للمجلس وليد عياش عرضًا ركز على التحول الذي شهدته أوضاع الأقليات خلال سنوات الحرب، موضحًا أن اليمن الذي عرف تاريخيًا تنوعًا دينيًا وثقافيًا بات يشهد تراجعًا حادًا في مستوى الحماية القانونية، ما دفع بالأقليات إلى دائرة هشاشة متزايدة في ظل غياب ضمانات دستورية فعالة.
وأشار إلى توثيق انتهاكات تشمل الاعتقال التعسفي على خلفية المعتقد واستهداف أفراد من البهائيين والمسيحيين، إضافة إلى تصاعد خطاب الكراهية والقيود على ممارسة الشعائر والحصول على الحقوق المدنية، مؤكدًا أن القضية تتجاوز إطار الفئات المتضررة لتعبّر عن طبيعة الدولة نفسها ومستقبلها.
وطرح عياش عديد خطوات عملية، من بينها إدراج انتهاكات حرية المعتقد ضمن آليات الرصد الأممية، وتعزيز حماية المدافعين عن هذا الحق، والعمل على الإفراج عن المحتجزين بسبب معتقداتهم، إلى جانب إنشاء قناة تواصل رسمية بين المجلس والمفوضية لضمان متابعة مستمرة وتبادل منتظم للمعلومات.
من جهته، أكد مدير مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في اليمن أحمد سليمان أن المرحلة المقبلة ستشهد تطوير آلية تنسيق مباشر مع المجلس تقوم على الشراكة وتبادل البيانات، مشددًا على أن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير حقوق أساسية غير قابلة للتقييد وتشكل ركيزة لأي استقرار مستقبلي.
وأشار إلى أهمية تفعيل دور الجهات الحكومية وتحميلها مسؤولياتها في حماية هذه الحقوق، معتبرًا أن الانتقال من التشخيص إلى بناء أثر ملموس يتطلب تعاونًا فعليًا بين المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.
في البعد المجتمعي والإعلامي، دعا مدير تحرير منصة "يمن فيوتشر" نشوان العثماني إلى التعامل مع حرية الضمير باعتبارها قضية عامة لا تخص الأقليات وحدها، وربطها بطبيعة الدولة المدنية والوعي الجمعي، مطالبًا بإلغاء المادة 259 من قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 باعتبارها تمثل عائقًا قانونيًا أمام أي مسار حقيقي لحرية المعتقد.
وأشار إلى استمرار اختطاف مسيحيين لدى جماعة الحوثيين منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي دون موقف حكومي واضح، في ظل هشاشة التفاعل الإعلامي والمدني، ما يعكس فجوة بين الخطاب الحقوقي والواقع.
بدورها، أكدت رئيسة حركة إنقاذ ورئيسة تحالف نساء من أجل السلام في اليمن نورا الجروي أن المجلس الوطني للأقليات يواجه تحديات كبيرة بسبب غياب الاعتراف الرسمي، معتبرة أن منح المجلس الترخيص القانوني يشكل اختبارًا لالتزام الحكومة بمبادئ الدولة المدنية، في وقت تتعرض فيه الأقليات لانتهاكات متزايدة، خصوصًا في مناطق سيطرة الحوثيين.
وخلص اللقاء، الذي شهد عديد المداخلات لكتاب وصحافيين وممثلين عن المسيحيين والبهائيين وحركة القومية اليمنية "أقيال" وناشطات في قضايا المرأة، إلى توافق على تعزيز التنسيق بين المجلس والمفوضية، والعمل على إدماج قضية الأقليات وحرية الدين والمعتقد ضمن أولويات العمل الحقوقي والسياسي، بما يعزز فرص بناء دولة قائمة على المواطنة المتساوية واحترام الحقوق الأساسية.