تحت غطاء «الهوية الإيمانية»: تصعيد حوثي يستهدف الأقلية المسيحية في اليمن
يمن فيوتشر - The Beiruter – عمر حرقوص- ترجمة خاصةً الأحد, 22 فبراير, 2026 - 02:55 صباحاً
تحت غطاء «الهوية الإيمانية»: تصعيد حوثي يستهدف الأقلية المسيحية في اليمن

منذ اندلاع الحرب وسيطرة حركة الحوثيين – أنصار الله – على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، شهدت الأقليات الاجتماعية والدينية في اليمن تحولات مقلقة على نحو متزايد. فالبلد الذي كان يحتفظ سابقًا بفسيفساء دينية هشّة لكنها راسخة نسبيًا، تضم اليهود والمسيحيين والبهائيين إلى جانب أغلبية مسلمة متعددة المشارب، بات اليوم يشهد ما لا يمكن وصفه إلا بأنه عملية منهجية لتقويض ذلك التنوع واقتلاعه.

ومنذ أواخر عام 2025 وحتى مطلع عام 2026، استهدفت موجة جديدة من الاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري، على نحوٍ خاص، الأقلية المسيحية في اليمن. ويشير هذا النمط إلى ما يتجاوز إجراءات أمنية معزولة؛ إذ يبدو جزءًا من استراتيجية أوسع لفرض ما يصفه الحوثيون بـ«الهوية الإيمانية» الموحدة وإقصاء أي تعبير عن اختلاف ديني أو فكري.

ولا يمكن فصل هذه السياسة عن الطموح الأوسع للجماعة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع ضمن إطار أيديولوجي يستند إلى مفهوم «ولاية الفقيه» المرتبط بإيران، أي مبدأ وصاية الفقيه أو سلطة المرجع الديني. وضمن الخطاب الحوثي، غالبًا ما تُصوَّر الأقليات الدينية على أنها «أدوات ناعمة» للنفوذ الاستعماري الغربي. كما وفّرت المواجهة المتصاعدة في البحر الأحمر ذريعة إضافية؛ إذ يُستغل العداء للقوى الأجنبية لتبرير ملاحقة مواطنين يمنيين اعتنقوا المسيحية، وغالبًا ما تُوجَّه إليهم اتهامات بالتجسس أو الخيانة.

 

الحملة الشتوية وآليات القمع

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني وبداية ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت الأجهزة الأمنية التابعة لجماعة الحوثي – ولا سيما جهاز الأمن الوقائي وجهاز الأمن والمخابرات – حملة واسعة استهدفت أفرادًا من الأقلية المسيحية في اليمن. ووفقًا لمصدر في صنعاء تحدث إلى «ذا بيروتر»، كانت العملية منظمة ومتعمدة، وتركزت في مراكز سكانية رئيسية مثل إب وعمران.

وتشير شهادات جمعتها منظمات محلية ودولية، من بينها «هيومن رايتس ووتش»، بالإضافة إلى إفادات قُدّمت للصحيفة، إلى أن عمليات الاعتقال بدت أقرب إلى عمليات خطف جنائي منها إلى إجراءات قانونية تتخذها دولة. فقد أفادت تقارير بأن عناصر ملثمة داهمت المنازل في ساعات متأخرة من الليل من دون التعريف بأنفسهم أو إبراز أوامر قضائية، وتم اقتحام الأبواب بالقوة وترويع العائلات – أحيانًا بعنف – واقتياد المعتقلين إلى أماكن غير معلومة.

وبحسب المصدر في صنعاء، تصاعدت الحملة بشكل لافت في 24 ديسمبر/كانون الأول 2025 – عشية عيد الميلاد – في ما بدا محاولة محسوبة لبث الرعب في صفوف أقلية تمارس شعائرها غالبًا في الخفاء. وبحلول منتصف يناير/كانون الثاني 2026، وهو ما تأكد حتى منتصف فبراير/شباط، كان أكثر من 62 مسيحيًا يمنيًا قد تعرضوا للاعتقال. ويرجح المجلس الوطني للأقليات في اليمن أن العدد الحقيقي أعلى من ذلك، إذ إن الخوف حال دون إبلاغ العديد من الأسر عن حالات الاختفاء.

وتقع جريمة الإخفاء القسري في صميم هذه الانتهاكات؛ فبمجرد احتجاز الأفراد يختفون فعليًا من المنظومة القانونية، وغالبًا ما تنفي السلطات في صنعاء احتجازهم عند استفسار أقاربهم عن مصيرهم. ويضع هذا الوضع المحتجزين خارج حماية القانون، ويثير مخاوف جدية من تعرضهم للتعذيب لانتزاع اعترافات بالتجسس أو التعاون مع جهات أجنبية. كما دعا المصدر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا إلى تصعيد القضية عبر القنوات الدولية.

 

«الهوية الإيمانية» وإقصاء التعددية

يرتبط استهداف المسيحيين ارتباطًا وثيقًا بما يصفه الحوثيون بـ«مشروع الهوية الإيمانية»، وهو مشروع تعزز حضوره منذ عام 2019. ويقوم هذا الإطار الأيديولوجي على دمج تفسير مُسيَّس للمذهب الزيدي مع مفاهيم ثورية مستمدة من إيران، في مسعى لتشكيل مجتمع منسجم تمامًا مع قيادة الحركة بزعامة عبد الملك الحوثي. وضمن هذه الرؤية، لا يُنظر إلى التنوع الديني بوصفه واقعًا اجتماعيًا، بل كنوع من «التلوث الأيديولوجي».

ومن أبرز الأدوات المستخدمة لفرض هذه الرؤية «مدونة السلوك الوظيفي»، التي تُلزم موظفي القطاع العام – بمن فيهم المنتمون إلى الأقليات – بتقديم تعهد رسمي بالولاء للعقيدة الدينية والسياسية للحوثيين. ويُعزَّز ذلك عبر «الدورات الثقافية» الإلزامية، التي تُعقد غالبًا في معسكرات مغلقة، حيث يسود التلقين الأيديولوجي والترهيب الديني. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من شبه المستحيل على المسيحيين ممارسة شعائرهم علنًا دون المخاطرة بالاعتقال أو ما هو أسوأ.

وقد وثّق تقرير صادر في عام 2025 عن لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية أكثر من 500 تعديل أُدخلت على المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسلطة الحوثيين. وشملت هذه التعديلات مواد تحرض صراحة على العداء للمسيحيين واليهود، وتصورهم كأعداء للإسلام، وتصفهم بعبارات مثل «أدوات الصهيونية» و«الصليبيين الجدد». ولا يقتصر هذا الخطاب على الفصول الدراسية، بل يمتد إلى الخطب الدينية ووسائل الإعلام الرسمية، بما في ذلك قناة «المَسيرة»، الأمر الذي يسهم في تكريس مناخ اجتماعي تصبح فيه العداوة تجاه الأقليات أمرًا طبيعيًا.

ويترافق هذا النهج التعليمي مع تعبئة أيديولوجية أوسع. فالأطفال الذين يلتحقون بالمخيمات الصيفية التابعة للحوثيين يتلقون، وفق تقارير، تدريبات على استخدام السلاح إلى جانب دروس عقائدية تُصوّر الأقليات الدينية كخصوم. ومن شأن هذه الممارسات ترسيخ النزعة الطائفية بين الأجيال القادمة.

كما اعتمد الحوثيون بدرجة كبيرة على «المحكمة الجزائية المتخصصة» – التي أُنشئت أصلًا للنظر في قضايا الإرهاب – قبل أن تتحول إلى أداة سياسية ودينية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أصدرت المحكمة أحكامًا بالإعدام بحق 17 شخصًا بتهم التجسس، وهي تهم تُستخدم كثيرًا ضد من يُشتبه في تواصلهم مع منظمات دولية أو تبنيهم معتقدات لا تنسجم مع الإطار الفكري للحوثيين.

وبموجب تطبيق السلطات الحوثية للقانون اليمني، تُعد الردة جريمة عقوبتها الإعدام. لكن الأجهزة الأمنية تلجأ غالبًا إلى الجمع بين الاتهامات الدينية وادعاءات التجسس أو التعاون مع جهات خارجية، بدلًا من ملاحقة التحول الديني مباشرة. ويؤدي هذا الأسلوب إلى عزل المحتجزين اجتماعيًا ووصمهم بالخيانة.

 

القمع في ظل الانهيار الإنساني

تظهر إحدى أبرز التناقضات في إدارة الحوثيين في الفجوة بين الاستثمار الواسع في أجهزة الأمن الداخلية وبين التدهور المستمر للوضع الإنساني في اليمن. فقد أشارت الباحثة في شؤون اليمن لدى «هيومن رايتس ووتش» نيكو جفارنيا إلى أن السلطات تبدو وكأنها تمنح الأولوية لعمليات الاحتجاز، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

ولم تقتصر الحملة على المسيحيين؛ فبحلول مطلع عام 2026 كان نحو 73 موظفًا يمنيًا يعملون لدى الأمم المتحدة قد تعرضوا للاعتقال التعسفي. وبحسب تقارير، بررت السلطات هذه الاعتقالات بالقول إن العمل الإنساني يُستخدم غطاءً لنشر القيم الغربية أو للتبشير الديني.

وكانت النتائج قاسية؛ إذ تعطلت عمليات الإغاثة، وتوقفت برامج إنسانية حيوية، وأُغلقت مئات المرافق الصحية في ظل نقص التمويل والضغوط الأمنية. كما أصبح توزيع المساعدات ذاته مسيّسًا، حيث تُوجَّه المعونات في كثير من الأحيان إلى المجتمعات الموالية، بينما تُستبعد الأقليات ومن يُنظر إليهم بوصفهم معارضين.

وفي الوقت نفسه، تستمر مخصصات كبيرة في التدفق إلى الأجهزة الأمنية والميليشيات الأيديولوجية مثل «الزينبيات»، وهي وحدة شبه عسكرية نسائية تشارك في مداهمة المنازل وعمليات المراقبة. وغالبًا ما تُموَّل هذه الأنشطة عبر الجبايات الدينية والضرائب غير الرسمية المفروضة على الشركات والمنظمات، ما يعزز بنية القمع الداخلي.


التعليقات