انغمست اليمن في حرب أهلية امتدت تداعياتها إلى واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية في العالم، وإلى منشآت نفطية داخل المملكة العربية السعودية.
•ما الذي أشعل فتيل التصعيد؟
عاد الصراع شبه الخامل بشأن مستقبل اليمن إلى الواجهة خلال الصيف، عندما قصفت السعودية مدرج مطار العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في محاولة لمنع طائرة إيرانية تقل يمنيين كانوا قد حضروا مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني من الهبوط في المطار. وقالت السعودية إنه كان بإمكان طائرة مستأجرة الهبوط، لكن ليس طائرة مملوكة لإيران. وفي نهاية المطاف، توجهت الطائرة إلى ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر.
ووصف الحوثيون القصف بأنه جزء من حصار سعودي لليمن الخاضع لسيطرتهم، وتوعدوا بـ«حصار مقابل حصار».
وأعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية، وأطلقوا صواريخ باتجاه منشآتها النفطية. وانتهى بذلك وقف إطلاق النار السعودي-الحوثي، الذي كان ساريًا منذ عام 2022.
وبعد أشهر من الإخفاق في تقديم الدعم لحليفتهم إيران خلال حربها مع الولايات المتحدة، فتح الحوثيون جبهة جديدة.
•ماذا فعل الحوثيون بعد ذلك؟
استخدم الحوثيون بشكلٍ متقطع موقعهم الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر لتعطيل حركة الملاحة التجارية، التي كانت مرتبطة في معظمها بإسرائيل. لكن قيادة الجماعة قررت في منتصف سبتمبر/أيلول تصعيد الموقف ومحاولة إحكام قبضتها على الممرات المائية، من خلال التقدم جنوبًا بمحاذاة الساحل نحو أضيق نقطة في هذا الممر المائي، وهي مضيق باب المندب. وقد نجحت في ذلك خلال أيام قليلة.
وبحلول 16 سبتمبر/أيلول، كان الحوثيون قد سيطروا على مدينة المخا الساحلية، وجزر صغيرة في المضيق، فضلًا عن المطار. ثم انتقل القتال إلى مديرية الوازعية وسلاسل الجبال الشاهقة المطلة على المضيق، وباتجاه محافظة تعز، بما في ذلك مدينة تعز نفسها، ثالث أكبر مدن اليمن ومسقط رأس رئيس الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة، (رشاد العليمي).
•لماذا نجح تقدم الحوثيين؟
ألقى البعض باللوم على خيانة (طارق صالح)، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق وقائد قوات المقاومة الوطنية في المنطقة، فيما يرى آخرون أن قوات الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة منقسمة على نفسها، وتعاني ضعفًا في منظومات القيادة والسيطرة، وتفتقر إلى القدرات الاستخباراتية العسكرية التي يمتلكها الحوثيون.
كما حظي الحوثيون بدعمٍ إيراني، فعندما أعلنوا أنهم سيمنعون وصول النفط السعودي عبر ميناء ينبع، كانوا بذلك يصطفون إلى جانب المجهود الحربي الإيراني. لكن الحوثيين ليسوا مجرد وكلاء لإيران. فعداؤهم للوجود السعودي في اليمن قائم بذاته، وله جذور دينية وسياسية على حدٍّ سواء.
•كيف ردّ السعوديون على صدمة تقدم الحوثيين؟
استغرق الأمر ثلاثة أسابيع، لكن العليمي أعلن خلال عطلة نهاية الأسبوع عن هجومٍ مضاد واسع أُطلق عليه اسم «عملية فجر اليمن»، ويهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ«انقلاب الحوثيين». وشهدت العملية مشاركة 100 طائرة سعودية لدعم القوات البرية اليمنية المتقدمة باتجاه باب المندب.
وتدور المعارك على ما لا يقل عن ثلاث جبهات، من بينها الجبال الواقعة غرب تعز، ومأرب، وصنعاء. كما أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه ما لا يقل عن خمس مدن سعودية. وربما جرى تضخيم حجم التراجع الذي مُني به الحوثيون.
•ما طبيعة العلاقة بين الحكومة الشرعية المعترف بها من الأمم المتحدة والرياض؟
يشترك البلدان في حدود متنازع عليها تمتد لنحو 1,200 كيلومتر، ولم تُؤمَّن هذه الحدود إلا بعد الحرب السعودية-اليمنية عام 1934. ومنذ رحيل البريطانيين عام 1967، أصبحت اليمن تعتمد بدرجة كبيرة على السعودية للحفاظ على قدرتها على البقاء كدولة قابلة للحياة اقتصاديًا.
ويعمل رسميًا نحو مليوني يمني مهاجرين في السعودية، ويرسل كثير منهم الأموال إلى ذويهم في اليمن، فيما بدأت السلطات السعودية في الآونة الأخيرة منحهم وضعًا قانونيًا. كما تقدم الرياض بصورة منتظمة منحًا مالية للحكومة اليمنية للحيلولة دون انهيارها، بلغت قيمتها 12.6 مليار دولار خلال السنوات الـ14 الماضية.
وقد ترك هذا الدعم تأثيرًا كبيرًا على عملية اختيار القيادات اليمنية. بل إن عددًا كبيرًا من قيادات اليمن يقيم في فنادق الرياض بدلًا من عدن، إلى درجة أن منتقدين يطلقون على هذه الإدارة وصف «شرعية الفنادق».
•هل تتماسك القوى المناهضة للحوثيين داخل اليمن في جبهة واحدة؟
لا. فاليمن متاهة معقدة من القبائل والمحافظات والانتماءات الدينية، وهو ما ينعكس على المشهد السياسي وعلى تشكيلات الميليشيات والقوات المسلحة. كما أن الخلاف حول أي قوة يحق لها أن تنسب إليها قيادة الهجوم المضاد يعكس بدوره التنافسات السياسية القائمة. ومع ذلك، تبرز القوات الجنوبية في المشهد، رغم أنها تقاتل لطرد الحوثيين من أراضٍ لا يُفترض أن تكون جزءًا من دولة جنوبية مستقلة.
وسيختبر الجناح السياسي الانفصالي، المجلس الانتقالي الجنوبي، حجم التأييد الكامن له من خلال حشدٍ شعبي مقرر في 23 أكتوبر/تشرين الأول، وقد يحدد ذلك ما إذا كان زعيمه (عيدروس الزبيدي)، يستطيع المجازفة بالعودة من المنفى.
وكانت الحكومة الشرعية قد وجهت إليه تهمة الخيانة العظمى على خلفية محاولته إقامة دولة انفصالية في يناير/كانون الثاني. وخشية اعتقاله من جانب السعوديين، فرّ إلى الإمارات العربية المتحدة. ويخشى مساعدوه من أن يكون حليفه العسكري السابق (أبو زرعة)، قد اصطف الآن إلى جانب الرياض.
•ما دور دولة الإمارات العربية المتحدة؟
انضمت الإمارات إلى التحالف الخليجي عام 2015 بهدف طرد الحوثيين من صنعاء، لكنها بدأت تنأى بنفسها مع تزايد عدم شعبية الأساليب السعودية. وكانت للإمارات أجندتها الخاصة المناهضة لجماعة الإخوان المسلمين، وكانت تنظر إلى حزب الإصلاح، الذي يتمتع بنفوذ قوي داخل الحكومة اليمنية، باعتباره امتدادًا لجماعة الإخوان.
ومع مرور الوقت، اصطفّت الإمارات تدريجيًا إلى جانب الانفصاليين الجنوبيين، بشكلٍ كبير بهدف تعزيز نفوذها داخل اليمن، في مفارقة تعكس إلى حدٍّ ما ما فعلته السعودية خلال الحرب الأهلية اليمنية عام 1994. وقد تولت الإمارات تدريب المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة الوطنية.
وانسحبت الإمارات من اليمن في يناير/كانون الثاني 2026، لكنها لا تزال تنظر بحذر إلى النوايا السعودية.
•لماذا تبدو الولايات المتحدة مترددة إلى هذا الحد في التدخل؟
الولايات المتحدة منشغلة أصلًا بملفات عديدة، كما أن مخزونات ذخيرتها استُنزفت بسبب الحرب مع إيران. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، لا يريد (دونالد ترامب) الدخول في حرب أخرى مفتوحة بلا نهاية.
وبعد أن قصفت الولايات المتحدة الحوثيين لمدة 50 يومًا في ربيع عام 2025، توصل ترامب إلى وقف إطلاق نار ثنائي الجانب مع الحوثيين، في اتفاقٍ لم يشمل إسرائيل.
كما رفض ترامب مرتين طلبات سعودية للتدخل، باعتبار أن مصير المضيق قضية تهم العالم بأسره.
•هل هناك أطراف أخرى منخرطة في الصراع؟
نعم. فدول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة، تقدم بعض الدعم في مجال التزويد بالوقود جوًا للطائرات السعودية. والأهم من ذلك، أن شائعات تتداول على نطاق واسع بشأن اتفاقية مكة للدفاع المشترك الجديدة، التي وقعتها تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026.
والهدف من الاتفاقية واضح: سد الفراغ الأمني في الخليج الذي كشفته الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لكن مدى ارتباطها باليمن لا يزال غير واضح. وتفيد تقارير بأن باكستان ترسل أسلحة إلى عدن.
•من سيفوز؟
يشكك كثيرون في قدرة السعودية على مواصلة القتال إلى أن تصل إلى صنعاء. كما أن البنية التحتية للطاقة في السعودية عرضة للخطر. وقد أظهر الهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب في 11 سبتمبر/أيلول، وانطلق من الأراضي العراقية، كيف يمكن لمواجهة إقليمية أوسع أن تفتح جبهات متعددة أمام الرياض.
وعلى مدى ما يقرب من عقدين، أثبت الحوثيون أنهم يتقنون القتال البري بدرجة كبيرة. لكن اليمن أصبح الآن جزءًا من صراع دولي، ولذلك باتت العديد من الافتراضات السابقة بحاجة إلى إعادة النظر.