لم يكن إعلان جماعة الحوثي دخول ما سمته "الحصار البحري على السعودية" حيز التنفيذ مجرد تصعيد إعلامي جديد، ولا كان اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي مجرد اجتماع طارئ لمواكبة التطورات. فالحدثان، إذا قُرئا معًا، يكشفان أن الصراع دخل مرحلة مختلفة، انتقل فيها النقاش من إدارة الأزمة إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي والعسكري. فالحوثيون حاولوا فرض معادلة جديدة قوامها توسيع نطاق الضغط عبر تهديد الملاحة وأمن المنطقة تحت شعار "الحصار بالحصار"، بينما جاء رد الدولة على النقيض تمامًا؛ إذ لم تنجر إلى منطق الشعارات أو ردود الفعل الانفعالية، بل أعادت تثبيت الصراع في إطاره الأصلي بوصفه معركة تتعلق بالسيادة واستعادة مؤسسات الدولة واحتكارها الحصري للقرار والسلاح والموارد. وبين هذين المنطقين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
هذه ليست لعبة مفردات، بل مواجهة بين تصورين متناقضين لإدارة الصراع. فالجماعة تحاول نقل الأزمة من الداخل اليمني إلى المجال الإقليمي عبر توسيع دائرة الضغط على السعودية وأمن الملاحة، فيما تسعى الدولة إلى إعادة الصراع إلى أصله الحقيقي: استعادة احتكارها للسيادة ورفض أي سلطة موازية تنازعها اختصاصاتها الدستورية. ولذلك، فإن السؤال الذي طرحه بيان الحوثيين لم يكن: هل تستطيع الجماعة تهديد الملاحة؟ بل: كيف سترد الدولة؟ أما الإجابة فجاءت في خطاب الرئيس العليمي واجتماع مجلس الدفاع الوطني.
ما يلفت الانتباه أن الدولة لم تدخل في سجال مع بيان الناطق العسكري للحوثيين، ولم تنشغل بتفنيد مبرراته أو الرد على شعاراته، بل تعاملت معه باعتباره دليلًا إضافيًا على طبيعة المشروع الذي تواجهه. ولهذا لم يكن البيان الرئاسي منصبًا على الملاحة بقدر ما كان منصبًا على الدولة نفسها؛ على السيادة واستعادة المؤسسات واستئناف تصدير النفط وحماية الاقتصاد وحشد الجبهة الوطنية. وكأن الرسالة تقول إن المشكلة ليست في تهديد سفينة هنا أو ممر بحري هناك، وإنما في وجود قوة مسلحة تحاول أن تمارس وظائف الدولة من خارج الدولة.
وهنا تظهر أولى الدلالات المهمة في الخطاب. فالرئيس لم يعلن الحرب، لكنه أيضًا لم يتحدث بلغة الاحتواء التي طبعت مراحل سابقة. لقد انتقل الخطاب من توصيف الأزمة إلى توصيف المرحلة. والفرق بين الأمرين جوهري. فتوصيف الأزمة يعني إدارة حدث قائم، أما توصيف المرحلة فيعني الإعلان عن تغير في قواعد التعامل مع هذا الحدث. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد مجلس الدفاع الوطني "حشد كافة الإمكانات لمعركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب". فمصطلح "المعركة" هنا ليس استعارة سياسية، بل توصيف رسمي لمرحلة جديدة ترى فيها الدولة أن استعادة المؤسسات لم تعد هدفًا مؤجلًا، وإنما أولوية لا تحتمل التأجيل.
لكن الخطاب، في الوقت نفسه، كان شديد الحذر في تجنب الظهور بمظهر الباحث عن الحرب. فعلى الرغم من الحديث عن الجاهزية العسكرية، والتدابير الأمنية، والإجراءات الإضافية التي أقرها مجلس الدفاع الوطني، عاد الرئيس ليؤكد التزام الدولة بأقصى درجات ضبط النفس، واحترام قواعد القانون الدولي، والحرص على حماية المدنيين. وقد يبدو الجمع بين هذه الرسائل متناقضًا للوهلة الأولى، إلا أنه يعكس في الواقع فلسفة سياسية مختلفة؛ فالدولة لا تريد أن تجعل من القوة مدخلًا للسياسة، وإنما وسيلة لحماية السياسة ذاتها. ولهذا فإنها تحرص على بناء الأساس القانوني والأخلاقي لأي خطوة قد تفرضها تطورات الميدان، بحيث لا تُقرأ أي مواجهة محتملة بوصفها خيارًا استباقيًا، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لرفض الانصياع لمحاولات فرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الإشارات المتكررة إلى السيادة واستعادة المؤسسات واستئناف تصدير النفط وحماية الموارد الوطنية، مجرد عناوين متفرقة فرضتها الأحداث، بل عناصر مترابطة داخل رؤية سياسية واحدة تعيد تعريف وظيفة الدولة في هذه المرحلة. فالقضية، كما يقدمها الخطاب، لا تتعلق بإدارة أزمة طارئة أو احتواء تصعيد ميداني، وإنما بإعادة تثبيت حق الدولة في ممارسة وظائفها السيادية كاملة، بعد سنوات حاولت خلالها جماعة الحوثي تحويل الوقائع العسكرية إلى حقائق سياسية دائمة.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان استئناف تصدير النفط دلالة تتجاوز أبعاده الاقتصادية المباشرة. فالنفط لا يحضر في الخطاب بوصفه مصدرًا للإيرادات العامة فحسب، وإنما باعتباره أحد أبرز تجليات السيادة الوطنية، وأداة لاستعادة قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، من صرف الرواتب وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. ولذلك، فإن التعهد باستئناف التصدير "بكل الوسائل" لا يمكن فهمه باعتباره قرارًا اقتصاديًا منفصلًا، بل باعتباره إعلانًا سياسيًا بأن الدولة قررت استعادة حقها في إدارة مواردها السيادية، وأنها لم تعد تقبل بأن تبقى ثروات البلاد رهينة للتهديد أو الابتزاز.
وليس خافيًا أن هذا القرار يضع الدولة والحوثيين أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فإذا مضت الحكومة في استئناف التصدير، وعادت الجماعة إلى استهداف الموانئ أو منشآت النفط كما فعلت في السابق، فإن قواعد الاشتباك ستدخل مرحلة مختلفة، وسيغدو أي رد حكومي جزءًا من معركة حماية السيادة والاقتصاد الوطني، لا مجرد رد فعل على هجوم عسكري. أما إذا أحجمت الجماعة عن استهداف منشآت التصدير، فإن الدولة تكون قد نجحت في انتزاع إحدى أهم أوراق الابتزاز التي استخدمت لسنوات لتعطيل الاقتصاد وإضعاف مؤسساتها. ومن ثم، فإن قرار استئناف تصدير النفط لا يمثل بندًا اقتصاديًا في خطاب الرئيس بقدر ما يمثل نقطة تحول استراتيجية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد إلى حد بعيد اتجاهات الصراع بين منطق الدولة ومنطق فرض الأمر الواقع.
وفي المقابل، فإن إعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية يكشف أن الجماعة تحاول نقل مركز الثقل من الداخل اليمني إلى المجال البحري والإقليمي. فهي تدرك أن الضغط على الاقتصاد الإقليمي، وتهديد طرق التجارة والطاقة، يمنحها أوراقًا تفاوضية تتجاوز وزنها داخل اليمن. غير أن هذا الخيار يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، لأنه يوسع دائرة المتضررين من سلوكها، ويمنح الأطراف الإقليمية والدولية مبررات إضافية للتعامل مع تهديداتها باعتبارها قضية أمن دولي، لا مجرد نزاع داخلي.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي دفع الرئيس إلى الربط بين استعادة الدولة وأمن الملاحة واستقرار الاقتصاد الإقليمي. فالخطاب لا يريد أن يحصر الأزمة في خلاف يمني داخلي، بل يعيد تقديمها باعتبارها أزمة سيادة تمس أمن المنطقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية. وهذا ليس مجرد توسيع لنطاق الخطاب، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع، بما يسمح للدولة بتوسيع دائرة التأييد السياسي والقانوني لمواقفها.
ومع ذلك، فإن قراءة الخطاب باعتباره إعلانًا للحرب ستكون قراءة متعجلة. فما يقوله الرئيس ليس إن الحرب أصبحت الخيار الأول، وإنما إن الدولة لم تعد تقبل أن يبقى السلام مرادفًا لتعطيل مؤسساتها أو ابتزاز اقتصادها أو تقويض سيادتها. إنه يعلن نهاية مرحلة الصبر غير المحدود، لا بداية الحرب المفتوحة. والفرق بين الأمرين كبير. فالحروب كثيرًا ما تبدأ عندما يخطئ أحد الأطراف في تقدير حدود الطرف الآخر، أما الخطابات السياسية فتسعى، في كثير من الأحيان، إلى منع هذا الخطأ عبر رسم تلك الحدود بوضوح.
ولهذا، فإن أخطر ما في خطاب الرئيس ليس ما قاله عن الحوثيين، بل ما قاله عن الدولة. فقد أعاد ترتيب أولوياتها بصورة لا تحتمل الالتباس: استعادة المؤسسات أولًا، وحماية السيادة ثانيًا، وتأمين الموارد الاقتصادية ثالثًا، ثم الانطلاق من ذلك كله نحو سلام يقوم على سلطة الدولة لا على موازين القوة المؤقتة. وهنا يكمن جوهر الاختلاف؛ فبينما يسعى الحوثيون إلى فرض معادلات جديدة من خارج مؤسسات الدولة، يسعى الخطاب الرئاسي إلى إعادة الصراع إلى أصله الحقيقي: صراع على حق الدولة في ممارسة وظائفها السيادية كاملة بوصفها المرجعية الوحيدة لأي سلام دائم وأي استقرار قابل للحياة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا ينبغي النظر إلى خطاب العليمي بوصفه إعلانًا عن حرب قادمة، بقدر ما يُقرأ بوصفه إعلانًا عن تغير في طريقة إدارة الصراع. فالدولة، كما تعكسه مضامين الخطاب وقرارات مجلس الدفاع الوطني، لم تعد تكتفي باحتواء تداعيات الأزمة أو التكيف مع موازين القوة التي فرضها الانقلاب، بل تتجه إلى استعادة زمام المبادرة، وإعادة تثبيت السيادة بوصفها المرجعية الحاكمة لأي مسار سياسي أو أمني. وما إذا كان هذا التحول سيقود إلى مواجهة عسكرية أوسع أو سيدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها والعودة إلى طاولة التفاوض، سيظل مرهونًا بسلوك الحوثيين، وبقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على استيعاب أن الصراعات لا تنفجر فقط عندما تطلق الرصاصة الأولى، بل عندما يخطئ أحد الأطراف في قراءة الرسائل التي تسبقها.