عندما أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق سلام مؤقت، عقب أسابيع من التصعيد المتبادل، بدا واضحًا أن شيئًا ما قد تغيّر في صنعاء. فقد تحوّل خطاب الحوثيين، بسرعة وبصورة لافتة، إلى خطاب المنتصرين المحتفلين بما يعدّونه إنجازًا.
ولم تعد قيادة الجماعة تتحدث بلغة الصمود أو البقاء، بل باتت تتحدث بلغة الانتصار، مقدّمة نفسها بوصفها شريكًا لإيران في هذا الإنجاز، ومقيمة مقارنات صريحة بين قدرتها على الصمود والمكانة التفاوضية التي حققتها طهران.
وكانت الرسالة التي تكررت في الخطب والبيانات الرسمية واضحة ولا لبس فيها: الحوثيون لم يُحتوَوا، بل خرجوا منتصرين.
وما لا يقل دلالة عن ذلك هو الصمت على الضفة الأخرى. فقد لاذت الأصوات اليمنية المؤيدة للسعودية، إلى جانب الشخصيات والقوى السياسية التي كانت تراهن على أن المحور المدعوم من إيران سيتراجع في نهاية المطاف، بصمتٍ ملحوظ.
ويرى خبراء أن هذا الصمت لا يعكس موقفًا محايدًا، بل يمثل مؤشرًا على إعادة اصطفاف سياسي تجري ملامحه على أرض الواقع.
• البقاء ليس مرادفًا للانتصار
يدعو الباحث السياسي (حسام ردمان)، المتخصص في الصراع اليمني وبناء السلام، إلى التمييز بين نوعين مختلفين تمامًا من الانتصار.
وقال ردمان في حديثه لصحيفة ذا نيو عرب: "نجح الحوثيون في ترسيخ صورة رمزية للانتصار، لكن ذلك لا يعني أنهم حققوا انتصارًا حاسمًا غيّر ميزان القوى بصورة جوهرية."
وأضاف: "خرجت الجماعة من مرحلة التصعيد من دون أن تتكبد هزيمة مباشرة، كما نجحت في فرض نفسها طرفًا حاضرًا في الحسابات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر، وهو ما منحها هامشًا سياسيًا ونفسيًا واسعًا للمناورة."
إلا أن ردمان يحرص على عدم الخلط بين ذلك وبين النجاح الاستراتيجي، موضحًا أن "الانتصار الحقيقي يقتضي القدرة على تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد، وبناء مؤسسات مستقرة، وتحويل القوة العسكرية إلى شرعية مستدامة. وهي مجالات لا تزال الجماعة تواجه فيها تحدياتٍ هائلة."
وتكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن الحوثيين لا يقدمون هذه المرحلة باعتبارها مجرد نجاة من الهزيمة، بل يصورونها في خطابهم السياسي على أنها تتويج لمسار طويل من «المقاومة»، وانتصار كامل لمحور إقليمي كانوا جزءًا منه.
• كيف يبدو الاتفاق من صنعاء؟
من داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تُقرأ التطورات الإقليمية بوصفها تأكيدًا على صواب النهج الذي انتهجته الجماعة طوال السنوات الماضية.
وأوضح (توفيق الحميدي)، رئيس مركز سام للفكر المعني بالحقوق والحريات، في حديثه لصحيفة ذا نيو عرب، أن "الجماعة بنت جانبًا كبيرًا من شرعيتها الداخلية على فكرة الصمود في مواجهة خصوم يتفوقون عليها عسكريًا واقتصاديًا."
وأضاف: "لذلك، فإن أي تطور إقليمي ينتهي من دون إضعافها أو الإطاحة بها، يُقدَّم تلقائيًا باعتباره نجاحًا."
ووفقًا لهذا المنظور، منح التفاهم الأمريكي-الإيراني الحوثيين مكسبًا سياسيًا ورمزيًا ذا دلالة. ويقول الحميدي: "لقد أظهر أن القوة التي قادت الضغوط العسكرية على إيران وحلفائها اتجهت في نهاية المطاف إلى خفض التصعيد."
وأضاف: "ومن وجهة نظر الجماعة، فإن هذا التحول يُعد دليلًا كافيًا على أن خصومها اضطروا في النهاية إلى التعامل مع الوقائع التي فرضتها على الأرض."
وفي المقابل، يوضح الحميدي حدود هذا "الانتصار"، قائلًا: "لم تحصل الجماعة على اعتراف دولي كامل، ولم تنجح في إنهاء الانقسام السياسي داخل البلاد، كما أنها لا تزال عاجزة عن تقديم نموذج للحكم قادر على معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. ومع ذلك، فإن مجرد بقائها في السلطة بعد أكثر من عقد من الحرب يُنظر إليه داخل الجماعة على أنه إنجاز يستحق الاحتفاء."
• المعسكر الآخر بلا إجابة
إذا كان الحوثيون يتحدثون بلغة المنتصرين، فإن السؤال الأكثر دلالة هو: لماذا لا يسعى خصومهم إلى الطعن في هذه الرواية أو مجابهتها؟
يرى (عبد الغني الإرياني)، الباحث الأول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن المشكلة ذات طبيعة هيكلية.
وقال الإرياني في حديثه لصحيفة ذا نيو عرب: "يدخل الحوثيون أي مفاوضات مستقبلية وهم يدركون بوضوح ما الذي يسعون إلى تحقيقه، في حين لا يزال كثير من خصومهم يبحثون أولًا عن صيغة موحدة يمكنهم الاتفاق عليها."
وخلال سنوات الحرب، بَلور الحوثيون تصورات محددة بشأن شكل نظام الحكم والترتيبات السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، بينما أمضى خصومهم جانبًا كبيرًا من تلك الفترة في إدارة خلافاتهم الداخلية والتنافس بين مكوناتهم المختلفة.
ويضيف الإرياني: "هذا لا يعني أن رؤية الحوثيين تحظى بقبول واسع أو أن تنفيذها سيكون سهلًا، لكنه يعني أنهم يدخلون طاولة المفاوضات وهم يمتلكون موقفًا سياسيًا واضحًا."
وعلى الصعيد الإقليمي، يرى الإرياني أن المواجهة الأخيرة دفعت عددًا من الدول العربية إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية، مشيرًا إلى أن التهديد الذي كانت إيران تمثله، في نظر بعض العواصم الخليجية، لم يعد يُنظر إليه بالمنظور نفسه.
وقال لصحيفة ذا نيو عرب: "من المرجح أن تستمر العلاقات السعودية-الإيرانية في التحسن، وسيكون لهذا التحول انعكاساتٍ مباشرة على اليمن."
وأضاف: "بالنسبة للحوثيين، يمثل أي تقارب سعودي-إيراني فرصة سياسية، أما بالنسبة لخصومهم، فإنه يشكل تحديًا جديدًا، إذ باتوا مطالبين بتقديم رؤية سياسية مقنعة قادرة على استقطاب الدعم الإقليمي، في وقتٍ لم تعد فيه المواجهة العسكرية تتصدر الأولويات."
• ما الذي قد يخفيه خطاب الانتصار؟
تقدم وزيرة الإعلام اليمنية السابقة والباحثة المستقلة الدكتورة (نادية السقاف) إحدى أكثر القراءات إثارة للتأمل بشأن المرحلة الراهنة. فهي لا ترى أن النبرة الواثقة، التي تصل أحيانًا إلى حد التعالي، في خطاب الحوثيين تعكس بالضرورة شعورًا كاملًا بالاطمئنان على أوضاعهم الداخلية.
وتقول السقاف: "قد يكون جانب من هذا الخطاب محاولة لإخفاء تنامي القلق الداخلي إزاء التطورات السياسية والاقتصادية التي بدأت تتبلور داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين."
وتوضح أن الجماعة تدرك أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، رغم ما تعانيه من ضعف اقتصادي وانقساماتٍ داخلية، تمكنت مؤخرًا من تعزيز بعض ترتيباتها السياسية والأمنية، ولا سيما في المحافظات الجنوبية.
كما تشير إلى وجود جهود محدودة، لكنها حقيقية، للحد من مظاهر الانقسام داخل معسكر الشرعية، وهو ما منح خصوم الحوثيين هامشًا من الحركة لم يكن متاحًا لهم خلال المراحل السابقة.
وتضيف السقاف: "تدرك الجماعة أنها لم تعد تواجه التهديد العسكري المباشر الذي كانت تواجهه في السنوات الأولى من الحرب، لكنها تدرك أيضًا أن التحديات الداخلية لا تقل خطورة عن التهديدات العسكرية. ومن ثم، قد يكون خطاب الانتصار، في جانب منه، محاولة لتعزيز التماسك الداخلي أكثر من كونه تعبيرًا عن ثقة كاملة بموقعها."
• من وكيل إقليمي إلى فاعل إقليمي
من أبرز التحولات التي فرضها الاتفاق على المراقبين إعادة النظر في موقع الحوثيين ضمن معادلات الإقليم.
وترى الدكتورة نادية السقاف أن الجماعة لم تكن يومًا مجرد أداة تنفذ السياسات الإيرانية بأوامر مباشرة.
وتقول: "احتفظت الجماعة دائمًا بهامش معتبر من الاستقلالية في صنع القرار، ولا سيما فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة مباشرة بالشأن اليمني الداخلي."
وتستشهد بقرار الجماعة وقف هجماتها في البحر الأحمر، رغم استمرار الحرب في غزة واستمرار التوترات الإقليمية، باعتباره دليلًا على ذلك، مشيرة إلى أن هذا القرار استند بدرجة أكبر إلى حسابات يمنية منه إلى توجيهات استراتيجية إيرانية.
وتضيف: "يتصرف الحوثيون بصورة متزايدة بوصفهم طرفًا يتفاوض على تفاهماته وترتيباته الخاصة مع دول الإقليم، بل وحتى مع الولايات المتحدة، عندما تقتضي مصالحهم ذلك."
وتتابع: "هذا لا يعني انفصالهم عن إيران، لكنه يعني أن للجماعة اليوم حساباتها الخاصة، التي قد تتقاطع مع المصالح الإيرانية في بعض المراحل، وقد تتباعد عنها في مراحل أخرى."
وإذا استمر مسار خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، فمن المرجح أن يتعمق هذا التوجه. فقد يجد الحوثيون أنفسهم أمام هامش أوسع بكثير للمناورة السياسية المستقلة، بعيدًا عن منطق الاصطفافات الإقليمية الجامدة الذي طبع المشهد خلال العقد الماضي.
• اليمن ورقة مساومة لا أولوية مستقلة
منذ الإعلان عن الاتفاق، بات واضحًا أن اليمن لم يعد ملفًا مستقلًا بحد ذاته، بل أصبح مساره مرتبطًا بصورة مباشرة بطبيعة العلاقة بين طهران وواشنطن، وبقدرة دول الخليج على بلورة مقاربة جديدة للأمن الإقليمي.
ويقدم حسام ردمان قراءة دقيقة لهذا المشهد، قائلًا: "ما حدث لا يمكن اعتباره اتفاق سلام، بل هو وقف للتصعيد ضمن ملف أكبر لا يزال مفتوحًا."
وتكتسب هذه التفرقة أهمية بالغة، إذ تعني أن أدوات الصراع لم تُطوَ نهائيًا، وإنما جرى الحد منها مؤقتًا، فيما لا تزال جميع الأطراف تحتفظ بهوامشها للمناورة.
والأهم من ذلك، أن اليمن سيظل جزءًا من مفاوضات إقليمية أوسع، وليس ملفًا يُعالج وفق اعتبارات داخلية مستقلة. ولذلك، سيبقى مسارا الحرب والسلام فيه رهينين بالنتائج التي تُصاغ في عواصم بعيدة، لا في صنعاء أو عدن.
ويحدد توفيق الحميدي ما يراه الخطر البنيوي الكامن في هذا الترتيب، مشيرًا إلى أن "خفض التصعيد الإقليمي قد ينطوي على خطر هيكلي يهدد مستقبل اليمن، إذا انحصرت التفاهمات بين القوى الإقليمية والدولية في إدارة السلوك الخارجي للحوثيين، من دون معالجة الجذور الحقيقية للصراع الداخلي."
ويحذر من أن ذلك قد يفضي إلى ترسيخ سلطة الحوثيين في شمال اليمن بوصفها سلطة أمر واقع، بينما يستقر بقية البلاد في حالة من التوازن الهش، من دون وجود مسار حقيقي نحو استعادة الدولة الموحدة أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
ويختتم قائلًا: "أخطر السيناريوهات هو أن يتحول اليمن إلى مجرد ملف أمني؛ يقتصر الاهتمام فيه على أمن البحر الأحمر، وأمن الحدود، ومنع الهجمات العابرة للحدود، في حين تُؤجَّل إلى أجل غير مسمى القضايا الجوهرية المتعلقة بالدولة، والسلطة، والسلاح."
• الخلاصة
تتفق قراءات الخبراء على نتيجة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات مقلقة، وهي أن الحوثيين خرجوا من هذه المرحلة أكثر رسوخًا مما كانوا عليه عند بدايتها. فهم يعلنون انتصارهم لأن الضغوط الخارجية تراجعت، ولأن خصومهم أخفقوا في تحقيق اختراق سياسي أو عسكري ضدهم.
ولا يقتصر تبني الحوثيين لخطاب الانتصار على الجانب الدعائي، بل تترتب عليه آثار عملية تنعكس على أسلوب تفاوضهم، وطريقة إدارتهم للمناطق الخاضعة لسيطرتهم، وآلية ممارستهم للنفوذ داخل البلاد.
أما بالنسبة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والداعمين لها، فإن السؤال المطروح يتمثل في ما إذا كان الرعاة السياسيون سيواصلون دعم مشروعهم في اليمن، في وقتٍ يبدو فيه هذا المشروع أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد منه إلى مسار يقود إلى تسوية نهائية.
وبالنسبة لليمنيين الذين أنهكتهم تداعيات أكثر من عقد من الحرب، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سينعكس التحول الذي تشهده قمة النظام الإقليمي بأي أثر ملموس على الواقع داخل اليمن؟
حتى الآن، تبدو الإجابة: لا.
لقراءة المادة من موقعها الأصلي ..
https://www.newarab.com/analysis/why-us-iran-deal-has-emboldened-yemens-houthis