أقود سيارتي عبر طريق ريفي في أوكسفوردشير عندما تعبر طائرتان حربيتان على ارتفاعٍ منخفض فوق السماء. في مكان ما، جرى توسيع نطاق النفوذ العسكري البريطاني، لكن ما إن تختفيا عن الأنظار فوق الحقول المحيطة حتى أعجز عن تتبعهما أكثر. فالتفاصيل المتعلقة بمهامهما تبقى طي الكتمان بموجب مقتضيات الأمن القومي.
تنطلق الطائرتان من قاعدة بريز نورتون التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، ثم تعودان إليها في نهاية المطاف. ويحمل ذيل كل منهما الرقمين ZZ338 وZZ343، وهما معرفان إداريان ضمن أسطول طائرات فوياجر التابع لسلاح الجو الملكي. و تغادر هذه الطائرات أوكسفوردشير، وتعبر قواعد جوية بريطانية أخرى في الخارج، لتصل من دون عوائق إلى إحدى دول غربي آسيا. وهي لا تُلقي ذخائر أو قنابل؛ إذ تتمثل مهمتها في تزويد الطائرات الأخرى بالوقود جواً. ومع ذلك، فبدونها كانت القنابل ستُلقى في ظروف مختلفة، مقيدة بعامل الوقت وكميات الوقود، ومحدودة من حيث المدى والقدرة العملياتية.
ينتابني شعور بالغثيان، فلا صوت للقصف، ولا إعلان للحرب، ولا بيانات تُبث عبر الإذاعة. أفكر في الثمن الذي يُدفع؛ ليس بالمعنى المالي فحسب، رغم أن هذه العمليات تُموَّل أيضاً من الضرائب التي أدفعها، بل بالمعنى الأثقل المتمثل في التواطؤ والمسؤولية الأخلاقية. ماذا يعني أن تعيش في بلد تُدار حروبه على هذا القدر من البعد، وتُنظَّم بطريقة لا تكاد تُعكر صفو رحلة تقودها في فترة ما بعد الظهيرة؟
• عملية «رف رايدر»
أسطول طائرات فوياجر الذي شاهدته يعبر فوق تلك الحقول نفّذ ما لا يقل عن 25 مهمة دعماً لحاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس هاري إس. ترومان ومجموعة القتال التابعة لها، وذلك بين مارس/آذار ومايو/أيار 2025.
في 15 مارس/آذار 2025، أطلق (دونالد ترامب) عملية «رف رايدر»، مستأنفاً الضربات الأمريكية على اليمن ومنهياً فترة التوقف التي استمرت منذ إعلان «وقف إطلاق النار» في غزة بتاريخ 19 يناير/كانون الثاني 2025.
وجاءت هذه العملية في أعقاب عملية «بوسيدون آرتشر»، وهي حملة أمريكية–بريطانية استمرت عاماً كاملاً في عهد (جو بايدن) و (ريشي سوناك)، وامتدت من 12 يناير/كانون الثاني 2024 حتى موعد ذلك «وقف إطلاق النار». وخلال اثني عشر شهراً، أسفرت عملية «بوسيدون آرتشر» عن مقتل 21 مدنياً. إلا أن إدارة ترامب عادت لتسجل العدد نفسه من الضحايا المدنيين خلال أول 48 ساعة فقط من عملية «رف رايدر».
وكانت الذريعة المعلنة للعملية هي حماية حركة الملاحة العالمية من هجمات الحوثيين في مضيق باب المندب، وهو ممر استراتيجي لنقل النفط تمر عبره نحو 10 إلى 12% من التجارة العالمية.
غير أن الحوثيين لم يكونوا قد استهدفوا أي سفينة تجارية طوال الأشهر الأربعة السابقة لانطلاق الحملة، بعدما كانوا قد علقوا عملياتهم في البحر الأحمر منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وفي 7 مارس/آذار 2025، وجه الحوثيون إنذاراً إلى إسرائيل مدته أربعة أيام، مطالبين برفع الحصار المفروض على غزة، والذي كان يمنع دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية والفرق الطبية إلى القطاع.
وقال زعيم الجماعة (عبد الملك الحوثي)، في بيان مصور:
"نُبلغ العالم أجمع: لقد منحنا مهلة نهائية مدتها أربعة أيام."
• حرب ترامب على الحوثيين
كان موقف الرئيس دونالد ترامب من الحوثيين واضحاً. فبعد يومين فقط من أدائه اليمين الدستورية، وقّع أمراً تنفيذياً يقضي بإعادة تصنيف الحوثيين كـمنظمة إرهابية أجنبية (FTO).
وكانت إدارة ترامب الأولى قد أدرجت الحوثيين على هذه القائمة في آخر يوم عمل كامل لها في يناير/كانون الثاني 2021، قبل أن تتراجع إدارة جو بايدن عن القرار خلال أقل من شهر. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أُعيد العمل بالتصنيف مجدداً.
وبعد ثمانية أيام من انتهاء المهلة التي أعلنها الحوثيون، توعّد ترامب بـ«القضاء الكامل» على الجماعة. وسارت بريطانيا في الاتجاه نفسه.
وخلال 53 يوماً، نفذت الولايات المتحدة 339 غارة. وأسفرت هذه العمليات عن مقتل ما لا يقل عن 238 مدنياً، بينهم 24 طفلاً، وإصابة 467 شخصاً، بينهم 31 طفلاً. وقدمت المملكة المتحدة دعماً جوياً عبر تزويد الطائرات المشاركة في العمليات بالوقود أثناء التحليق.
وفي ما يُعد أمراً محرجاً بالنسبة لجيش تبلغ ميزانيته نحو تريليون دولار، تمكن الحوثيون من إسقاط ما لا يقل عن سبع طائرات مُسيّرة من طراز MQ-9 Reaper خلال عملية «رف رايدر»، تبلغ قيمة الواحدة منها نحو 30 مليون دولار.
ويرى الكاتب أن الحوثيين ليسوا مجرد ميليشيا يمكن إخضاعها بالقصف، بل قوة سياسية متجذرة في المجتمع اليمني، وقد أسهم تبنيها للقضية الفلسطينية في تعزيز حضورها وترسيخ نفوذها على الأرض بصورة أكبر. وكما هو الحال مع إيران، لا يمكن القضاء على هذا الواقع بالقوة الجوية وحدها.
ففي حروب التمرد والاستنزاف، يكفي أن لا يخسر الطرف المتمرد حتى يُعد منتصراً.
• ما الذي تقدمه المملكة المتحدة للولايات المتحدة؟
انضمت حكومة (كير ستارمر) إلى ترتيبات عسكرية وُصفت بأنها أكثر فتكاً بكثير من تلك التي أبرمتها حكومة ريشي سوناك، وذلك من دون أي نقاشٍ برلماني. وفعل ستارمر ذلك، علاوة على ذلك، دعماً لإدارة كان اثنان من أبرز مسؤوليها، هما وزير الدفاع (بيت هيغسيث) ونائب الرئيس (جي دي فانس)، قد وصفا الحلفاء الأوروبيين مؤخراً بأنهم «متطفلون بائسون يعيشون على حساب الآخرين».
غير أن وصف «المتطفلين البائسين» يوحي على الأقل بأن بريطانيا تستفيد من هذه العلاقة من دون أن تقدم مقابلاً يُذكر. لكن الواقع، بحسب الكاتب، أقل راحة بكثير من هذا التصور.
فالجيش الأمريكي يدير 22 موقعاً عسكرياً داخل المملكة المتحدة، وتُقدِّر وزارة الدفاع الأمريكية القيمة الإجمالية لاستبدال هذه المنشآت بنحو 15.6 مليار دولار.
ولا يشمل هذا الرقم قواعد سلاح الجو الملكي البريطاني الموجودة خارج البلاد والتي تتيح بريطانيا للولايات المتحدة استخدامها.
ومن بين هذه القواعد قاعدة دييغو غارسيا الجوية الواقعة في إقليم المحيط الهندي البريطاني، والتي أجرت البحرية الأمريكية دراسات بشأنها في ستينيات القرن الماضي باعتبارها موقعاً محتملاً لقاعدة عسكرية.
ولتمكين الولايات المتحدة من استخدام الجزيرة لأغراض عسكرية، قامت بريطانيا بتهجير السكان الأصليين للجزيرة قسراً وإبعادهم بالكامل. فقد أُجبر نحو 1,500 من أبناء أرخبيل تشاغوس (الشاغوسيين) على مغادرة الجزر التي عاشوا فيها أجيالاً متعاقبة، وذلك بهدف تأجير الجزيرة للولايات المتحدة.
ومن قاعدة دييغو غارسيا الجوية انطلقت قاذفات الشبح الأمريكية بي-2 سبيريت (B-2 Spirit) خلال عملية «رايدر الخشن». كما أقلعت طائرات فوياجر التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني من قاعدة أكروتيري الجوية (RAF Akrotiri) في قبرص لدعم العمليات.
ويرى الكاتب أن ما قدمته بريطانيا للولايات المتحدة — من قواعدها العسكرية، ومجالها الجوي، وصمتها السياسي، وإسهامها في تعزيز النفوذ الإمبراطوري تحت غطاء التحالف — يمثل دعماً كبيراً وذا أهمية استراتيجية.
أما ما تحصل عليه المملكة المتحدة من الولايات المتحدة في المقابل — باستثناء التعرض لتقلبات المشهد الجيوسياسي والتورط في تبعات الحروب وما يرتبط بها من اتهامات بارتكاب جرائم حرب — فلا يزال، بحسب الكاتب، أمراً غير واضح المعالم حتى الآن.
• الهجمات البريطانية على اليمن
أسفرت عملية «رف رايدر» عن استهداف منشأة تخزين الوقود في ميناء رأس عيسى خلال أبريل/نيسان. وأدى الهجوم إلى مقتل 84 مدنياً، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 150 آخرين بجروح.
ويُعد هذا الهجوم واحداً من أسوأ الضربات المسجلة من حيث الخسائر المدنية. ووفقاً لـ مشروع بيانات اليمن، الذي يتابع آثار الغارات الجوية منذ عقد من الزمن، لم تُسجَّل سوى ثلاث غارات أخرى تسببت في خسائر مدنية أكبر من هذه الضربة. وقد وقعت جميع تلك الغارات خلال الحرب التي قادتها السعودية في اليمن واستمرت سبع سنوات، والتي بدأت عام 2014 وأسهمت في تحويل اليمن إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ولم تكن عملية «رف رايدر » أول بصمة بريطانية في معاناة اليمنيين؛ بل جاءت امتداداً لمسار قائم بالفعل. فبحسب ما أفادت به منظمة الحملة ضد تجارة السلاح، كان اليمن يتعرض يومياً لقنابل بريطانية تُلقى من طائرات بريطانية يقودها طيارون تلقوا تدريبهم في بريطانيا، فيما كانت تلك الطائرات تُصان بواسطة آلاف المتعاقدين البريطانيين العاملين داخل السعودية.
كما أكدت وزارة الدفاع البريطانية (MoD) أن القوات البريطانية قدمت دعماً روتينياً للحلفاء عبر عمليات التزويد بالوقود جواً، وذلك لمساندة ما وصفته بالدفاع عن النفس للقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وفي 28 أبريل/نيسان 2025، استهدفت غارة أمريكية مركز احتجاز تديره جماعة الحوثي في شمال اليمن، ما أدى إلى مقتل 68 شخصاً، معظمهم من المهاجرين الأفارقة، وإصابة 47 آخرين.
وخلال هذه العملية، حلقت طائرة فوياجر التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والتي تحمل الرقم ZZ338 — وهي الطائرة نفسها التي يشير الكاتب إلى أنه شاهدها تعبر فوق أحد الحقول في أوكسفوردشير — من قبرص باتجاه اليمن.
كما قامت (أيونا كريغ)، المشرفة على مشروع بيانات اليمن، بتتبع رحلات الطيران التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني المستخدمة في عملية «رف رايدر».
وتشير البيانات التي جمعتها إلى أن الطائرة ZZ338 شاركت في دعم عمليات قصف استهدفت مناطق سكنية وأسفرت عن 53 ضحية مدنية بين قتيل وجريح.
ويختتم الكاتب بالقول إن هذه الطائرة، التي تحظى بإعجاب هواة الطيران وتُوثَّق تحركاتها من قبل متتبعي حركة الطائرات، تُستخدم في دعم الغارات الجوية الأمريكية على منازل سكنية تحترق فيها عائلات بأكملها، مشيراً إلى إحدى الضربات التي خلفت 10 قتلى و22 جريحاً.
• التعاون البريطاني – الإسرائيلي
في الساعات الأولى من 20 يونيو/حزيران 2025، تمكن ناشطان من حركة «فلسطين أكشن» من دخول قاعدة بريز نورتون التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وقاما برش الطائرتين ZZ338 وZZ343 بالطلاء الأحمر.
وتزعم وزارة الدفاع البريطانية (MoD) أن الطلاء تسبب في أضرار تُقدَّر قيمتها بنحو 30 مليون جنيه إسترليني، إلا أن الطائرة ZZ338 عادت إلى التحليق بعد عشرة أيام فقط من الحادثة.
ومنذ ذلك الحين، أُلقي القبض على ستة أشخاص على خلفية هذه العملية. ومن المقرر أن تبدأ محاكمتهم في يناير/كانون الثاني 2027، ما يعني أن خمسة منهم سيكونون قد أمضوا 18 شهراً رهن الاحتجاز من دون محاكمة. كما أنهم أول نشطاء يُوجَّه إليهم الاتهام ويُحتجزون بموجب قانون الأمن القومي البريطاني.
وفي الفترة نفسها، كانت قاعدة بريز نورتون في أوكسفوردشير تستقبل طائرات التزويد بالوقود التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي من طراز KC-707 رئيم (Re’em) في ما لا يقل عن تسع مناسبات بين سبتمبر/أيلول 2024 ويونيو/حزيران 2025، وفقاً لبيانات الرحلات الجوية التي كشف عنها موقع دروب سايت نيوز.
وتؤدي هذه الطائرات دوراً أساسياً في إبقاء مقاتلات إف-35 (F-35) الإسرائيلية في الأجواء فوق غزة لفترة كافية لاستكمال مهامها القتالية والقصف الجوي.
ويشير النص إلى أن إحدى هذه الطائرات كانت تحلق فوق غزة بعد أربعة أيام فقط من مغادرتها أوكسفوردشير، وذلك في الليلة التي تعرض فيها مجمع سكني في بيت لاهيا للقصف، في هجوم أسفر عن مقتل 73 فلسطينياً.
وتنتقد المقالة حكومة حزب العمال لعدم تقديمها تفسيراً بشأن السماح للطائرات الإسرائيلية باستخدام المجال الجوي البريطاني وقواعد سلاح الجو الملكي البريطاني، في الوقت الذي تتهم فيه إسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين. ومع ذلك، تصف وزارة الدفاع البريطانية هذه الأنشطة بأنها «إجراءات روتينية».
ويتساءل الكاتب: هل هذه هي الطريقة التي يُصان بها أمن المواطنين البريطانيين؟
ففي حين تستند وزارة الدفاع إلى مبررات الأمن القومي، يرى الكاتب أن الدولة البريطانية هي التي تحدد ما يُسمح للمواطنين بمعرفته بشأن الأنشطة التي تُنفَّذ باسمهم. ثم يطرح سؤالاً استنكارياً: هل هذا هو الأمن الذي يُعرض علينا؟ ويجيب قائلاً إنه يفضّل الاستغناء عنه.
ويختتم النص بالإشارة إلى أن المشهد الافتتاحي الذي يتحدث عن رصد طائرتين حربيتين فوق أوكسفوردشير هو وصف تخيلي، أما البيانات والمعلومات الواردة في المقال فهي، بحسب الكاتب، حقيقية.
وقد كُتب المقال بالتعاون مع أمو غيب، فيما تعود الصورة المرافقة إلى سلاح الجو الملكي البريطاني.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي..
https://www.thecanary.co/uk/analysis/2026/06/23/uk-supports-us-war-crimes/