أعربت وزيرة الخارجية الكندية، أنيتا أناند، عن “قلق بالغ” عقب تحقيق أجرته هيئة الإذاعة الكندية (CBC) كشف عن ظهور بنادق قنص كندية الصنع بشكل علني في اليمن والسودان وليبيا، رغم العقوبات والقيود المفروضة على تصدير الأسلحة إلى تلك المناطق.
وأظهر تحقيق بصري أجرته هيئة الإذاعة الكندية (CBC News) مقاطع فيديو وصوراً كُشف عنها حديثاً، تُظهر بنادق قنص كندية الصنع بحوزة عناصر من قوات شبه عسكرية سودانية وإحدى الجماعات المسلحة الليبية، إضافة إلى قيام تجار أسلحة يمنيين بعرضها والترويج لها علناً عبر الإنترنت.
ويخضع كل من السودان وليبيا لحظر كندي على توريد الأسلحة، في حين تواجه اليمن عقوبات محددة، وذلك بسبب وجود جماعات متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وأعمال تعذيب وعمليات قتل جماعي.
وفي تعليق على نتائج تحقيق هيئة الإذاعة الكندية (CBC)، قالت كيلسي غالاغر، الباحثة في معهد “بروجكت بلوشيرز” الكندي المتخصص في أبحاث السلام: “لو كانت كندا تبذل ما يكفي من الجهود، لما شهدنا نمطاً متكرراً من التحويل غير المشروع لأنظمة الأسلحة الكندية، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة”.
وأضافت غالاغر أن نتائج التحقيق تشير إلى استمرار وصول الأسلحة الكندية إلى جهات محظورة رغم القيود الدولية المفروضة على تصديرها، مؤكدة أن الأمر يتطلب تحركاً من الحكومة الكندية.
وفي نوفمبر، كشفت شبكة CBC News أن بنادق القنص الدقيقة من طراز (XLCR)، التي تصنعها شركة “ستيرلينغ كروس” (Sterling Cross)، وهي شركة أسلحة صغيرة مقرها مدينة أبوتسفورد في مقاطعة كولومبيا البريطانية، ظهرت في صور التُقطت داخل السودان واستخدمتها قوات الدعم السريع (RSF).
وشاركت CBC News أحدث نتائج تحقيقها مع مكتب وزيرة الخارجية الكندية، أنيتا أناند، ومع وزارة الشؤون العالمية الكندية.
وبعد نشر هذا التقرير، صرّحت وزيرة الخارجية الكندية لشبكة CBC News بأنها “قلقة للغاية” بشأن الوجهات التي تصل إليها الأسلحة الكندية.
وقالت: “ليس من المقبول أن تسمح إجراءات منح التراخيص لدينا بوصول المواد إلى مناطق النزاع. ويبدو أن هناك بالفعل مخالفات لعملية منح التراخيص. فإذا ثبت وجود هذه المخالفات، فلا بد من اتخاذ إجراءات لإنفاذ القانون، وستكون مسؤولية التنفيذ على عاتق الشرطة الملكية الكندية (RCMP).”
وفي بيان لها، قالت وزارة الشؤون العالمية الكندية (GAC) إن كندا تفرض حظراً على السودان، وإنه “لم تُمنح أي استثناءات” ضمن عملية تقييم المخاطر الخاصة بصادرات الأسلحة.
فيديو صادم في السودان
يُظهر مقطع فيديو صادم تم تداوله مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي مقاتلاً شاباً ينتمي إلى قوات الدعم السريع (RSF) في السودان، وهو يسيء معاملة محتجزين كانوا على متن شاحنة، حيث كان يصفعهم ويضرب أحد الأسرى بمؤخرة بندقيته.
وقد قامت شبكة CBC News بطمس أجزاء من الفيديو نظراً لوجود مخاوف من أن بعض الأشخاص الظاهرين فيه قد يكونون قاصرين.
وتم تزويد شبكة CBC News بالصور لأول مرة من قبل مستخدم على الإنترنت يُعرف باسم (streakingdelilah). وبعد ذلك، حصلت الشبكة بشكل مستقل على جميع الصور ومقاطع الفيديو وتحققت من صحتها، ثم شاركتها مع باحثين من منظمة بيلينغكات (Bellingcat) ومركز المرونة المعلوماتية (Centre for Information Resilience)، الذي يدير مشروع (Sudan Witness) المعني بتوثيق ومتابعة الأحداث والانتهاكات في السودان.
وصرّح سيباستيان فاندرميرش، الباحث في منظمة بيلينغكات: “إنها واحدة من أكثر الحالات لفتاً للانتباه، حيث يمكننا بوضوح رؤية المقاتل وهو يحمل السلاح الكندي أثناء اعتدائه على الأسير، مرتكباً انتهاكات واضحة.”
ورغم أن الفيديو تم تداوله مؤخراً، فمن المرجح أنه صُوِّر في يونيو/حزيران 2024، عندما سيطرت قوات الدعم السريع على منطقة جبل موية الواقعة جنوب العاصمة السودانية الخرطوم.
وتمكنت منظمة بيلينغكات من تحديد الموقع الجغرافي للفيديو وربطه بتلك المنطقة، كما حددت مقاطع فيديو إضافية من جبل موية تُظهر محتجزين يتعرضون لمعاملة مهينة، من بينها إجبارهم على تقليد أصوات الحيوانات أو إعلان الولاء لقوات الدعم السريع (RSF).
“نحن نهرّبها”: تاجر أسلحة يمني
كشفت مجموعة أخرى من مقاطع الفيديو التي تمت مشاركتها مع شبكة CBC News عن خيط قاد في نهاية المطاف إلى متجر صغير يقع في القلب التجاري لمدينة صنعاء، قالت الشبكة إنه يعمل كسوق غير قانوني لتجارة الأسلحة.
وتصطف على جدران المتجر أنواع مختلفة من الأسلحة، بما في ذلك الرشاشات وبنادق القنص، إضافة إلى وجود قاذف صواريخ واحد على الأقل.
وكان المتجر يُدار من قبل ثلاثة أشقاء، من بينهم تاجر أسلحة يُدعى إبراهيم، كان يروّج لما لديه من أسلحة عبر منصات فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب.
وفي مقطع فيديو نُشر عام 2024، ظهر إبراهيم وهو يطلق النار من بندقية باتجاه خزان مياه يقع غرب مدينة صنعاء على بعد نحو 30 دقيقة بالسيارة.
وتمكنت شبكة CBC News من التحقق من صحة الصور والمقاطع المصورة من خلال تحديد الموقع الجغرافي للفيديو وربطه بالسد المحدد بدقة، وذلك عبر مطابقة خط التلال المميز الظاهر في اللقطات.
وفي حين وصف مورّد الأسلحة هذا السلاح بأنه “بندقية قنص أمريكية”، تمكن فريق التحقيقات البصرية في CBC من تحديدها على أنها بندقية “ستيرلينغ كروس XLCR” (Sterling Cross XLCR). كما ظهر الشعار المميز للشركة بوضوح على السلاح في مقطعين مصورين.
وقال أحمد، شقيق إبراهيم، في رسالة صوتية وجهها إلى صحفي مستقل كان يستفسر عن السلاح دون أن يكشف أنه يعمل لصالح CBC News:
“هذه البندقية قد بيعت بالفعل، لقد بيعت يا عزيزي مقابل 12 ألف دولار.”
ووصف التاجر البندقية بأنها “قطعة فريدة”، مضيفاً:
“نحن نهرّبها إلى البلاد.”
كما تتبعت CBC صوراً أخرى تُظهر عرض بندقية من إنتاج شركة “ستيرلينغ كروس” للبيع، وتوصلت إلى تاجر ثانٍ للأسلحة، هو الآخر موجود في صنعاء. وعند تواصل الشبكة معه، أكد بدوره أنه يبيع هذا السلاح.
وفي إحدى الصور التي نشرها تاجر أسلحة يمني، تمكنت شبكة CBC News من تحديد الرقم التسلسلي لإحدى بنادق “ستيرلينغ كروس”.
وقالت كيلسي غالاغر: “الرقم التسلسلي سيُمكّن الباحثين المستقلين أو جهات إنفاذ القانون من تتبع زمان ومكان تحويل نظام السلاح.”
وقد شاركت CBC الرقم التسلسلي مع شركة “ستيرلينغ كروس” والحكومة الكندية، لكنها لم تتلقَّ أي رد بشأن الكيفية التي وصل بها السلاح إلى السوق السوداء في اليمن.
روابط الجماعات المسلحة الليبية
وتمكنت شبكة CBC News من تحديد مواقع صور إضافية داخل ليبيا، وهي دولة تشهد حالة من عدم الاستقرار منذ عام 2011.
وحدد وولفرام لاخر، الباحث المختص بالشأن الليبي في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، شارة جهاز الأمن القضائي على الصفحة نفسها في وسائل التواصل الاجتماعي التي نشرت في الأصل الصور التي تضمنت بندقية “ستيرلينغ كروس”.
وأضاف لاخر أن هذه الوحدة “منبثقة عن مجموعة أكبر” تُعرف باسم “قوة الردع الخاصة” (RADA).
وبحسب ما قاله لاخر: “كانت هذه المنطقة في الواقع ساحة قتال خلال عامي 2022 و2025”، مضيفاً: “هذه المجموعة، وهي قوة الردع الخاصة، كانت متورطة في تلك النزاعات.”
وأوضح أن قوة الردع الخاصة تسيطر أيضاً على سجن معيتيقة، الذي اشتهر بارتكاب الانتهاكات والتعذيب والاحتجاز التعسفي.
وأشار إلى أن أوضاع السجن كانت بالغة السوء إلى درجة دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرات توقيف بحق قادة جهاز الردع (رادا) بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وتحظر كندا تصدير الأسلحة إلى ليبيا. وكانت تحقيقات سابقة قد ربطت مجموعة “ستريت غروب” (Streit Group)، وهي شركة مصنعة للمركبات المدرعة مملوكة لكنديين، بعمليات نقل غير مشروعة للمعدات إلى فصائل ليبية عبر الإمارات العربية المتحدة.
يرجّح خبراء وجود صلة بالإمارات العربية المتحدة
في حين لا توجد معلومات مؤكدة حول الكيفية التي وصلت بها هذه الأسلحة إلى تلك البلدان، يرجح خبراء تحدثوا إلى CBC News أن الإمارات العربية المتحدة قد تكون لعبت دوراً في إعادة توجيه الأسلحة إلى جماعات عسكرية متحالفة معها في عدد من النزاعات الإقليمية.
وقال وولفرام لاخر: “القاسم المشترك الذي يربط بين هذه الحالات الثلاث هو وجود دعم إماراتي لأطراف متحالفة معها في هذه النزاعات. فهذه ثلاث حالات يُعرف فيها أن الإمارات قد زوّدت تلك الجهات بكميات كبيرة من الأسلحة.”
وقال عماد الدين بادي، الباحث البارز في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية: “الأطراف التي تدعمها الإمارات العربية المتحدة تُعد في الأصل جهات إشكالية، فهي جماعات مسلحة غير حكومية لها سجل حافل بالانتهاكات وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.”
وتواصلت CBC مع سفارة الإمارات العربية المتحدة للحصول على تعليق، لكنها لم تتلقَّ أي رد.
وكانت الإمارات قد نفت في السابق أي تورط لها في السودان وليبيا، كما أعلنت في عام 2025 إنهاء وجودها العسكري المباشر في اليمن.
وتشير التقارير الحكومية الخاصة بصادرات الأسلحة إلى أنه تم شحن 113 بندقية من كندا إلى الإمارات العربية المتحدة خلال عامي 2019 و2020.
وفي مارس/آذار 2019، نشرت شركة “ستيرلينغ كروس” صورة على إنستغرام تظهر نحو 80 بندقية من طراز (XLCR) وهي تخضع للفحص قبل تسليمها.
وقال غالاغر: “يتم شراء هذه الأنظمة التسليحية لغرض معين. وعلى الحكومة الكندية أن تفرض رقابة صارمة عليها، وإلا فإننا سنشهد انتشارها غير المشروع في المنطقة.”