أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من أكثر الجهات الخارجية عدوانية في الصراعات الأفريقية، من إثيوبيا وليبيا والصومال إلى السودان. وتنكر قيادة أبوظبي بعناد دعمها للأطراف المتحاربة، ومع ذلك حافظت على هذا الدعم حتى خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، رغم العواقب الخطيرة التي ترتبت على ذلك بالنسبة للإمارات. وتعرقل أدوارها جهود حل النزاعات، وتفاقم الأزمات الإنسانية وحالة عدم الاستقرار الإقليمي. كما تقوض مصالح أوروبا في طرق التجارة الموثوقة، ومنع النزوح القسري، والتكامل الإقليمي. وينبغي لألمانيا وشركائها الأوروبيين أن يولوا وزنًا أكبر بكثير لأفعال الإمارات المُزعزعة للاستقرار في علاقاتهم الثنائية، وأن ينتقدوها بصورة صريحة، وأن ينظروا في فرض عقوبات. كما أن سياق الحرب مع إيران، بالإضافة إلى التوترات بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، يفتح نافذة لتغيير السياسة في أبوظبي.
•الحرب الإيرانية تُغيّب عن الأنظار تطورًا مهمًا
طغت الحرب مع إيران على تطور جذب اهتمامًا متزايدًا من الرأي العام الأوروبي في أواخر عام 2025، وهو دور الإمارات في الصراعات الأفريقية، وخاصة في ضوء العواقب الإنسانية المدمرة للحرب المستمرة في السودان. وقد بلغت هذه الحرب ذروة جديدة في أكتوبر 2025، عندما سيطرت قوات الدعم السريع (RSF) على مدينة الفاشر في شمال دارفور، ثم ارتكبت لاحقًا مذابح أسفرت، بحسب التقديرات، عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص. وتُعد الإمارات الداعم العسكري واللوجستي والمالي الأبرز لقوات الدعم السريع.
وحتى بعد اندلاع الحرب مع إيران، غادرت العديد من رحلات الشحن المشبوهة الإمارات متجهة إلى إثيوبيا، ويبدو أنها كانت تنقل إمدادات عبر الحدود إلى قوات الدعم السريع. ومع ذلك، فإن تورط الإمارات في الصراعات الأفريقية يتجاوز السودان بكثير. فمنذ عام 2014، دعمت الإمارات القوات المسلحة العربية الليبية (LAAF) بقيادة خليفة حفتر في الحرب الأهلية الليبية، بما في ذلك خلال هجومها على الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس خلال الفترة 2019-2020. وفي إثيوبيا، اعتمدت حكومة أبي أحمد على الطائرات المسيّرة الإماراتية لصد هجوم شنّته قوات تيغراي في خريف 2021.
ومن السمات المميزة للتدخلات الإماراتية التردد في نشر قواتها العسكرية الخاصة، إذ تمارس نفوذها أساسًا عبر شركاء محليين، كثير منهم جماعات مسلحة شبه حكومية أو غير حكومية.
•دعم الفاعلين المُزعزعين للاستقرار
يشمل حلفاء الإمارات القوات المسلحة العربية الليبية التابعة لحفتر في ليبيا، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان، وقوة الشرطة البحرية في بونتلاند (PMPF)، بالإضافة إلى قوات الشرطة والجيش في صوماليلاند شمالي الصومال.
ووفقًا للعديد من التقارير، تزود الإمارات هذه الجماعات، وكذلك الحكومة الإثيوبية، بأنظمة أسلحة غالبًا ما تكون حاسمة في مسار الحروب، مثل الطائرات المسيّرة المتقدمة بعيدة المدى. كما نفذت الإمارات ضربات جوية خاصة بها ضد الحكومة في طرابلس، وفي منطقة بونتلاند الصومالية، حيث استهدفت خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.
وترتبط ثلاثة من الشركاء المحليين للإمارات — القوات المسلحة العربية الليبية، وقوات الدعم السريع، وقوة الشرطة البحرية في بونتلاند — بعلاقات متوترة أو حتى عدائية مع حكوماتهم المركزية. وتنتمي هذه القوى إلى ميليشيات شبه دولية وتسيطر على أراضٍ خاصة بها. أما دعم الحكومة الإثيوبية، خاصة خلال الحرب في شمال البلاد بين عامي 2020 و2022، فيختلف عن هذا النمط، إذ عززت الإمارات الحكومة المعترف بها دوليًا في مواجهة قوات دفاع تيغراي. ومع ذلك، فإن جميع هذه الجهات — وكذلك الإمارات نفسها — تسعى إلى أجندات مدمرة لأنظمتها السياسية، وتهدف إلى تغيير موازين القوى المحلية.
وتشمل أدوات الإمارات أيضًا تجنيد المقاتلين الأجانب والمرتزقة، ونقلهم إلى ساحات القتال أو نشرهم لأغراض الدعم اللوجستي. ففي عام 2010، نشرت الإمارات شركة عسكرية خاصة تديرها جنوب أفريقيا لإنشاء قوة الشرطة البحرية في بونتلاند بالصومال، بزعم مكافحة القرصنة. ولاحقًا، موّلت الإمارات مرتزقة سودانيين قاتلوا إلى جانب حفتر في طرابلس.
وفي السودان، نظمت شركة الأمن الإماراتية “جلوبال سيكيوريتي سيرفيسيس جروب” تجنيد ونقل ودفع رواتب مئات المرتزقة الكولومبيين، بما في ذلك عبر قاعدة عسكرية داخل الإمارات. وعندما فرضت الحكومة الأمريكية عقوبات على الجهات المعنية عام 2025 — باستثناء الشركة الإماراتية المذكورة — ذكرت أن هؤلاء المقاتلين عززوا قوات الدعم السريع بـ”خبرة تكتيكية وتقنية”، وعملوا كمشاة وأطقم مدفعية وطياري طائرات مسيّرة ومشغلي مركبات ومدربين، فيما قام بعضهم بتدريب أطفال على القتال.
ولا تجري الأنشطة الإماراتية في مناطق الصراع بمعزل عن بعضها، بل تشكل جزءًا من شبكة عابرة للحدود أنشأتها الإمارات. فقد تم توجيه الإمدادات إلى قوات الدعم السريع عبر المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة العربية الليبية، ولا سيما الكفرة جنوب ليبيا، وعبر نجامينا وأم جرس في تشاد، وفي بعض الحالات عبر محطات توقف في كينيا وأوغندا ورواندا.
كما استخدمت مدينة بوصاصو في بونتلاند مركزًا لدعم قوة الشرطة البحرية، وكذلك لنقل الأسلحة من اليمن والمرتزقة الكولومبيين إلى قوات الدعم السريع. وتعمل الإمارات باستمرار على تكييف هذه المسارات استجابة للتغيرات العسكرية أو مواقف الحكومات المحلية.
ولكسب النفوذ في الدول التي تشكل جزءًا من هذه الشبكة اللوجستية، تستخدم الإمارات مبالغ مالية ضخمة. فخلال زيارة في يونيو 2023، وعدت الإمارات الرئيس التشادي إدريس ديبي بقرض قيمته 1.5 مليار دولار. كما ساعدت القروض الإماراتية حكومات إثيوبيا وكينيا على تجاوز صعوبات مالية قصيرة الأجل. وفي الوقت ذاته، تستفيد الإمارات من تصدير وتهريب الذهب من مناطق الصراع مثل السودان.
وتنفي الإمارات معظم هذه الأنشطة، خاصة الدعم العسكري المباشر لأطراف النزاع مثل قوات الدعم السريع. وبعد تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة عام 2024 أشار إلى أدلة “موثوقة” على الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، لم يرد ذلك في التقرير اللاحق، رغم ظهوره في مسودة مسربة من التقرير نفسه.
وتستند الإمارات إلى النسخة المنشورة، التي تبدو معدلة، باعتبارها دليلًا على عدم تدخلها، بل تدعو إلى فرض حظر دولي شامل على الأسلحة في السودان، في حين أن الحظر الحالي يقتصر على دارفور.
وبذلت الإمارات جهودًا كبيرة لتجنب الانتقاد الدولي. فعلى سبيل المثال، أمضت وزيرة الدولة الإماراتية لانا نسيبة أربعة أيام في بروكسل خلال نوفمبر 2025 للاجتماع بأعضاء في البرلمان الأوروبي. وفي قرار البرلمان الأوروبي بشأن السودان، الذي اعتمد في الفترة نفسها، لم يرد أي ذكر لدعم الإمارات لقوات الدعم السريع، بعد معارضة حزب الشعب الأوروبي للتعديلات التي اقترحتها الأحزاب اليسارية.
•الاقتصاد والجيوسياسة والتكسب الشخصي
غالبًا ما تظل المصالح المحددة الكامنة وراء أفعال الإمارات في كل صراع غير واضحة. إذ تُتخذ القرارات داخل دائرة ضيقة، يتصدرها محمد بن زايد آل نهيان، حاكم أبوظبي ورئيس الدولة. كما أن عتبة التدخل منخفضة، نظرًا لأن الإمارات لم تتحمل حتى وقت قريب تكاليف سياسية تُذكر نتيجة هذه الأنشطة.
ولا تتبع هذه التدخلات بالضرورة استراتيجية شاملة متماسكة، لكن يمكن رصد بعض الدوافع الكامنة. فعلى سبيل المثال، تُفسر السياسات الأمنية الإماراتية غالبًا بالمصالح الاقتصادية الخارجية. وفي الواقع، برزت الإمارات خلال السنوات الأخيرة بوصفها أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للعديد من الدول الأفريقية.
وتدير مجموعتا الخدمات اللوجستية المملوكتان للدولة “دي بي وورلد” و”AD Ports Group”، ومقرهما دبي وأبوظبي، موانئ وبنى تحتية مرتبطة بها في الصومال والسنغال وتنزانيا وموزمبيق وأنغولا ومصر، وغيرها. وتشكل هذه المشاريع جزءًا من ممرات اقتصادية ذات أهمية استراتيجية لنقل المواد الخام، مثل المعادن والمنتجات الزراعية وموارد الطاقة، إلى الأسواق العالمية.
وبالنسبة للإمارات، تُعد هذه الممرات ضرورية أيضًا لضمان الوصول طويل الأجل إلى الموارد الاستراتيجية وطرق التجارة، كما تعكس استراتيجية لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط. ومن ثم، يمكن فهم التدخلات العسكرية باعتبارها وسيلة لحماية هذه المصالح الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن تأثير السياسات الإماراتية الإقليمية يشير إلى أن هذا التفسير يظل جزئيًا. فكثيرًا ما تسهم مشاركة الإمارات في زعزعة استقرار البيئات الاقتصادية نفسها، ما يدل على وجود دوافع أخرى ليست اقتصادية بالدرجة الأولى.
وفي مقدمة هذه الدوافع، يأتي طموح الإمارات إلى توسيع نفوذها الإقليمي، وبالتالي تعزيز مكانتها الدولية. ويتمثل الهدف الأساسي في مواجهة قوى إقليمية أكبر بكثير، مثل إيران، وقبل كل شيء المملكة العربية السعودية.
لقراءة المادة من موقعها الاصلي على هذا الرابط:
https://www.swp-berlin.org/publications/products/comments/2026C19_UAE_AfricanConflicts.pdf