يتجاوز مقتل علي خامنئي كونه مجرد فراغٍ في القيادة؛ إذ إنه يقوّض الأساس الأيديولوجي الذي يقوم عليه النظام الإيراني، وهو النهج العقائدي الذي روّجت له طهران خارج حدودها على مدى عقود.
وهذه اللحظة ليست مجرد حالة عدم استقرار اعتيادية؛ بل تمثل أشد صدمة تتعرض لها بنية الحكم في إيران منذ جيل كامل. فلم يكن خامنئي مجرد شخصية سياسية، بل كان السلطة العليا المشرفة على البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ، وشبكة الوكلاء الإقليميين التي شكّلت ركيزة استراتيجية «الدفاع المتقدم» لإيران. وغيابه يهزّ مركز القوة في الدولة، لكنه لا يعني تلقائيًا تفكيك النظام الذي كان يقوده.
ومن المرجح أن الهدف من الحملة العسكرية كان إضعاف قدرات إيران النووية والصاروخية، لا السعي إلى إسقاط النظام بالكامل. وهذا فارق مهم. فحتى مع غياب خامنئي، تبقى بنية شبكة الوكلاء التابعة لإيران قائمة من الناحية الهيكلية. وبين هؤلاء الوكلاء، يبرز الحوثيون في اليمن اليوم بوصفهم الطرف الأكثر نشاطًا والأفضل تموضعًا من الناحية الاستراتيجية.
لماذا ينبغي التذكير بالتهديد الذي يشكله الحوثيون؟
إنهم قادرون على الاستمرار حتى من دون إيران. فقد أتاحت لهم سنوات السيطرة على الأراضي تطوير مصادرهم الخاصة للإيرادات وبُنى الحكم المحلية. ورغم أنهم قد يواجهون تحديات مالية وتكنولوجية في حال غياب الدعم الإيراني المستمر، فإن لديهم مع ذلك القدرة الداخلية التي تمكّنهم من مواصلة العمل والبقاء بشكل مستقل.
ويعيش أكثر من 60% من سكان اليمن — أي ما يزيد على 20 مليون نسمة — تحت سيطرة الحوثيين. ويشمل ذلك صنعاء والمرتفعات الشمالية ذات الكثافة السكانية العالية، إضافة إلى نقاط الوصول الرئيسية إلى البحر الأحمر عبر الحديدة وأجزاء من حجة.
ويستند ثقلهم الاستراتيجي إلى عدة عوامل رئيسية:
• العمق الديمغرافي: نحو 70% من السكان الخاضعين لسيطرتهم تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا، ما يوفر مخزونًا بشريًا ثابتًا للتجنيد وإمكانات طويلة الأمد للتعبئة الأيديولوجية.
• الدفاع الجغرافي: تشكّل جبال شمال اليمن الوعرة حماية طبيعية، ما يجعل أي تقدم عسكري ضدهم مهمة شاقة ومكلفة.
• التموضع البحري: يمنحهم قربهم من ممرات الشحن في البحر الأحمر نفوذًا على أحد أهم طرق الملاحة البحرية في العالم.
• السيطرة المركزية: تُدار الحوكمة في صنعاء ضمن منظومة أمنية مشددة وإدارة محكمة؛ إذ تعمل الحركة بوصفها سلطة أيديولوجية منضبطة أكثر من كونها فاعلًا تقليديًا على نمط الدول.
وعلى خلاف النخبة الدينية المتقدمة في السن في إيران، فإن القاعدة الاجتماعية للحوثيين أكثر شبابًا، وأشد ميلًا إلى العمل العسكري، وغالبًا ما تكون أكثر استعدادًا للمخاطرة. وقد يثبت هذا الفارق الجيلي أنه عامل حاسم في حال تصاعد التوترات الإقليمية.
ومنذ وفاة علي خامنئي، أبدى الحوثيون استعدادهم للتحرك من دون الانزلاق إلى تصعيد فوري. فالخطاب العلني الصادر عنهم يوحي بوجود تنسيق عملياتي مع طهران، لكنه يعكس في الوقت نفسه قدرًا من ضبط النفس. وفي موازاة ذلك، جرى إعادة تموضع الطائرات المسيّرة والقدرات الجوية باتجاه الحديدة وحجة على طول الساحل الغربي، وهي خطوة تتسق مع ترتيبات احترازية تحسبًا لاحتمال تنفيذ عمليات في البحر الأحمر.
وعلى الصعيد الداخلي، يمكن رصد اتجاهين داخل الحركة:
• تيار يميل إلى التصعيد: يقوده عبد الملك الحوثي نفسه، إلى جانب السفير الإيراني في صنعاء ومسؤولين من الحرس الثوري الإيراني منخرطين ضمن «المجلس الجهادي» الحوثي الذي يترأسه. ويدعم هذا الائتلاف توثيق الروابط العملياتية مع طهران ويتبنى موقفًا أكثر تشددًا.
• تيار أكثر حذرًا: يتمثل في بعض قيادات الصف الثاني التي تفضّل إعادة تقييم الموقف وانتظار اتضاح مسار الانتقال الداخلي في إيران قبل الانخراط في مواجهة أوسع.
وإذا تمكنت طهران من استعادة قدر من الاستقرار بعد هذه الصدمة، فقد يصبح الحوثيون أكثر أدواتها الخارجية مرونة. إذ تتيح قدراتهم تنفيذ تصعيد محسوب عبر عدة مسارات، من بينها:
• تعطيل حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
• توسيع نطاق عمليات الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه إسرائيل.
• استهداف الأصول البحرية التابعة للولايات المتحدة لخلق ضغط غير مباشر.
• تهديد البنية التحتية للطاقة في دول الخليج لرفع كلفة الصراع وتوسيع نطاقه.
وثمة عامل آخر يتمثل في طموحات القيادة. فقد يرى عبد الملك الحوثي في هذه اللحظة الانتقالية فرصة لتعزيز نفوذه الرمزي داخل ما يُعرف بـ«محور المقاومة». ففي أوقات عدم اليقين العميق، تسعى الأطراف الواقعة على الهامش غالبًا إلى توسيع نفوذها واكتساب مزيد من القوة. وسيحدد ما إذا كانت هذه النزعة ستقود إلى الحذر أم إلى التصعيد ملامح المرحلة التالية من ديناميكيات المنطقة.
وسقوط علي خامنئي من موقع السلطة يوجّه ضربة إلى الجوهر الأيديولوجي للنظام الإيراني. غير أن الشبكة التي أسهم في بنائها — ولا سيما في اليمن — لا تزال متجذرة بعمق على الصعيدين الجغرافي والديمغرافي، كما تحتفظ بقدرة عملياتية تمكّنها من التأثير في مسار الأحداث المقبلة. وتجاهل هذه الحقيقة سيكون خطأً استراتيجيًا. فأي إطار أمني إقليمي يتعامل مع الحوثيين بوصفهم فاعلًا ثانويًا يعرّض نفسه لخطر إساءة تقدير المرحلة القادمة من التصعيد.
لقراءة المادة من موقعها الاصلي: