في جولات سابقة من المواجهات بين إسرائيل وإيران، وكذلك بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران خلال عامي 2024–2025، شارك الحوثيون عسكريًا إلى جانب إيران ضمن ما سُمّي بـ«ضربات التضامن» في سياق الحرب في غزة.
وعلى الرغم من أنهم، حتى الآن، حصروا انخراطهم الأوسع في حشد الاحتجاجات وإعلان التضامن السياسي مع النظام الإيراني، من دون الانضمام رسميًا إلى الحرب الدائرة، فإن من المرجّح بدرجة كبيرة أن يُقدموا على هذه الخطوة قريبًا — ما لم يتخذوا قرارًا استراتيجيًا بالتخلي الكامل عن داعمهم.
لقد أنشأت إيران ما يُعرف بمحور «المقاومة» الإقليمي — الذي يضم قوى في لبنان والعراق وسوريا واليمن — باعتباره منظومة توسعية للدفاع المتقدّم وبنية ردع متقدمة. إلا أن هذا المحور، الذي يشهد تراجعًا ملحوظًا، بات في ظل الصراع الراهن عنصرًا حيويًا في استراتيجية الدفاع الداخلي لإيران.
وفي اليوم الثاني من الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، انضم «حزب الله» في لبنان وعدد من الفصائل المسلحة ضمن «قوات الحشد الشعبي» في العراق إلى الحرب، عبر تنفيذ ضربات استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، إضافة إلى قبرص. ومن المرجّح أن يحذو الحوثيون في شمال غرب اليمن — وهم أبرز حلفاء إيران وأكثرهم جرأة — حذوهم قريبًا.
ومع تصاعد الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة ردًا على هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصدّر الحوثيون مسار التصعيد الإقليمي لمحور «المقاومة». فقد حوّلوا خطابهم المناهض لإسرائيل والولايات المتحدة إلى أفعال ملموسة عبر فرض حصار بحري استمر عامين حول مضيق باب المندب، متحدّين حرية الملاحة، ومطلقين مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه سفن حربية أمريكية وسفن تجارية وإسرائيل، فضلًا عن إغراق عدد من السفن التجارية.
كما تمكّن الحوثيون من الصمود أمام ردود غربية اتسمت بالتباين وغياب الاتساق، بدءًا من العمليات التي قادتها الولايات المتحدة مثل «حارس الازدهار» و«بوسيدون آرتشر» و«رف رايدر»، وصولًا إلى عملية «أسبيدس» التابعة للقوة البحرية للاتحاد الأوروبي. واستمروا في المواجهة بعد أن نجحت إسرائيل في تصفية القيادة العليا لحزب الله، متجاوزين أداء فصائل «الحشد الشعبي» في العراق، التي تحرّكت بقدر من التحفّظ تحت ضغط خارجي متزايد.
وتتشكل حسابات التصعيد لدى الحوثيين من مزيج معقّد يشمل: الإشارات الصادرة عن إيران، الالتزام الأيديولوجي ذي الطابع الديني، ديناميات تقاسم الأعباء داخل المحور، ضغوط البقاء الداخلي، حوافز السمعة وإظهار القوة، مدى استدامة ترسانتهم من الطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بردود الفعل الانتقامية المحتملة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
• ضربات التضامن، 2023–2025
عزا الحوثيون «عملياتهم العابرة للحدود من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025» إلى ما وصفوه بالتضامن الراسخ مع «الشعبين الفلسطيني والإيراني»، وهو تأطير يعكس قناعة أيديولوجية حقيقية. وكما أشارت الباحثة اليمنية المخضرمة ندوة الدوسري، فإن «هجمات الحوثيين في البحر الأحمر تمثل تجسيدًا لأيديولوجيتهم».
وينظر الحوثيون إلى العمليات العابرة للحدود كوسيلة لتعزيز مكانتهم الإقليمية وإضعاف الحكومة اليمنية وتوسيع قاعدة دعمهم الدولي. كما يؤطرون دعمهم لغزة وإيران باعتباره واجبًا دينيًا، ويرون في تدمير إسرائيل قضية أخلاقية.
وخلال جولة التصعيد بين إسرائيل وإيران في أبريل/نيسان 2024، انضم الحوثيون وحزب الله وفصائل الحشد الشعبي إلى طهران. ففي 13 أبريل/نيسان، اعترضت الدفاعات الإسرائيلية عدة طائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى أطلقت من اليمن وزوّد بها الحوثيون من قبل إيران. كما هدّد الحوثيون بفرض حظر على الموانئ الإسرائيلية، ولا سيما ميناء إيلات. ووصف متحدث باسمهم الهجوم بأنه «مشروع»، فيما مُنعت العديد من السفن — بما في ذلك سفن مرتبطة بإسرائيل — من العبور عبر البحر الأحمر.
أما الحرب التي استمرت 12 يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، فقد شهدت بدورها تصعيدًا حوثيًا، وإن كان ذا طابع رمزي. ففي 15 يونيو/حزيران، استهدف الحوثيون، إلى جانب «الحرس الثوري الإيراني»، مدينة يافا بصواريخ باليستية بعيدة المدى، ليصبحوا أول ميليشيا متحالفة مع إيران تعلن تنفيذ هجوم مشترك من هذا النوع مع طهران.
وقد عكس هذا الانخراط ثلاثة عوامل رئيسية:
1. الرد المحسوب لـ«الحرس الثوري الإيراني» على الضربات الإسرائيلية، بالتوازي مع دبلوماسية نشطة عبر قنوات خلفية، وأهداف أمريكية تتعلق بإضعاف القدرات النووية؛
2. مصلحة الحوثيين في خفض وتيرة العمليات عقب الحملة الأمريكية التي استمرت 51 يومًا ضدهم وتوقفت في مايو/أيار؛
3. رغبة مشتركة في الحفاظ على مخزونات الأسلحة للمرحلة القادمة، ولا سيما بعد تصفية إسرائيل للقيادة العليا لحزب الله، وإسقاط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
• الحسابات الحوثية اليوم
لا يزال الحوثيون يحتفظون بقدرات على توجيه ضربات بعيدة المدى، ولم يجروا أي مراجعة لمرتكزاتهم الأيديولوجية التي تحكم عملياتهم العابرة للحدود. كما أن الإشارات الصادرة عن إيران، التي أسهمت في تعبئة «حزب الله»، قد تصل إلى صنعاء قريبًا.
في المقابل، ينشغل خصومهم في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بجهود تحقيق الاستقرار، وهي عملية قد تستغرق أشهرًا. أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فيشهد الرأي العام حالة استقطاب؛ إذ يولي السكان أولوية لتحسين الخدمات الأساسية ودفع الرواتب بدلًا من أي مغامرات خارجية. كذلك تبدّلت ديناميات تقاسم الأعباء داخل محور «المقاومة»، إذ بات الحوثيون يُنظر إليهم باعتبارهم الوكيل الإيراني الأكثر صمودًا.
وقد تتيح مغامرة عسكرية خارجية للحوثيين فرصة لتحويل الأنظار عن الضغوط الداخلية، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام رد دولي قاسٍ — وهي المعضلة المفصلية التي يواجهونها.
وفي الأيام التي سبقت اندلاع الحرب الحالية، أعاد الحوثيون نشر منصات إطلاق الصواريخ وأنظمة الرادار والقدرات بعيدة المدى على امتداد ساحل البحر الأحمر في الحديدة وحجة، وكذلك قرب الحدود السعودية في الجوف وصعدة. كما عززوا لامركزية تخزين الأسلحة، ووسّعوا صلاحيات القيادة الميدانية، وأعادوا تفعيل بروتوكولات الطوارئ.
وعند اندلاع المواجهات، أبدى الحوثيون قدرًا من التحفّظ، مكتفين بإعلان تضامن سياسي مع إيران، مع الإيحاء باتباع نهج محسوب في ضبط النفس — بما يهيئ لاحتمالية إعادة الانخراط العسكري.
ومن اللافت أن قيادات حوثية ربطت استئناف العمليات العابرة للحدود بانهيار وقف إطلاق النار في غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2025) وباتساع نطاق التصعيد الإقليمي، وذلك بعد تجميد الهجمات في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وتشير المؤشرات الراهنة إلى عتبة تصعيد مرنة نسبيًا، مع جاهزية عملياتية يمكن تفعيلها سريعًا متى ما اتُّخذ القرار السياسي.
وفي حال أصدرت إيران توجيهًا رسميًا للحوثيين بالانخراط في الحرب، فمن شبه المؤكد أن الجناح المتشدد داخل الحركة سيمتثل، بغضّ النظر عن الكلفة. وبالتالي، لم يعد السؤال هل سينضمون، بل ما الأهداف التي سيستهدفونها. ومن بين الأهداف المحتملة:
• العمق الاستراتيجي الإسرائيلي (الموانئ، المطارات، المدن): احتمال مرتفع جدًا.
• السفن الإسرائيلية أو الأمريكية أو البريطانية في البحر الأحمر: احتمال متوسط.
• القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج، بما في ذلك داخل السعودية: احتمال قائم.
• البنية التحتية الخليجية للطاقة وتحلية المياه: احتمال ضعيف.
• إعادة فرض حصار بحري حول مضيق باب المندب: احتمال قائم.
ويُعد إغلاق باب المندب قرارًا عالي الكلفة وعالي التأثير. وفي ظل مضايقات «الحرس الثوري الإيراني» للسفن في مضيق هرمز — بما في ذلك استهداف سفن وتراجع حركة الملاحة بأكثر من 70% — فإن أي تحرك حوثي في باب المندب سيعمّق اضطرابات سلاسل الإمداد ويرفع تكاليف التأمين ويقوّض حرية الملاحة، فارضًا حصارًا فعليًا يمتد من هرمز إلى قناة السويس.
أما توجيه ضربات إلى إسرائيل فسيسهم في استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية التي تواجه جبهات متعددة، ويوسّع نطاق العمليات العسكرية، ويستدعي ردًا إسرائيليًا مكلفًا. وكانت إسرائيل قد نفّذت بالفعل ضربات في أغسطس/آب 2025 أدت إلى تصفية جزء كبير من القيادة الحوثية، بما في ذلك رئيس الأركان. ومع ذلك، يظل الصراع الإسرائيلي–الحوثي مفتوحًا.
وفي حين يسعى الحوثيون إلى تجنب ضربات إسرائيلية دقيقة تستند إلى معلومات استخباراتية متقدمة، والحفاظ على هدنتهم غير المعلنة مع الرياض وواشنطن، فإن سجلهم في التصعيد العابر للحدود — الذي يُرسم مساره النهائي في طهران — جرّ عليهم مرارًا عواقب مدمّرة.
وقد تجد إيران نفسها أمام معادلة توازن بين مكاسب إشراك الحوثيين ومخاطر تسريع استهداف قيادتهم، كما حدث مع قيادات في «الحرس الثوري» و«حزب الله». ومع ذلك، يظل لدى الحوثيين خيار آخر: فكّ الارتباط بإيران، وإعادة ضبط بوصلتهم الاستراتيجية، والانخراط الجاد في مصالحة يمنية شاملة. وستكشف الأيام المقبلة الاتجاه الذي سيختارونه.