في التاسع من كانون الثاني/ يناير 2026، وخلال هذا اليوم وحده، تركزت الغالبية الساحقة من التفاعل الرقمي المرتبط بالأزمة، في نمط لا يشبه نقاشاً عاماً متدرجاً، بقدر ما يعكس اندفاعة مفاجئة ذات توقيت محدد وكثافة عالية، إذ يتضح في الأرقام والأنماط الزمنية أنه لم يكن وليد المصادفة أو التفاعل العضوي، بل أقرب إلى تعبئة رقمية ذات توقيت محدد وبنية خطابية واضحة.
انفجار رقمي شديد التركّز
المشهد الأول في التحقيق هو الانفجار اللحظي للتفاعل. في العيّنة السعودية، نُشرت 94 في المئة من التغريدات خلال 24 ساعة، وفي العيّنة الإماراتية 79 في المئة. تُظهر البيانات كذلك أنّ ساعة واحدة فقط في كل معسكر استحوذت على أكثر من 12 في المئة من التغريدات، ما يعني أنّ ما حصل كان أقرب إلى “ضخّ مركّز” لا إلى تراكم نقاش تدريجي. هذا النمط الزمني يستدعي عادة تفسيراً يربط بين توقيت الأخبار، حِزم الوسوم، ومنابر الإعلام التي لعبت دوراً في تعريف الحدث وإطلاقه.
من منظور جغرافي، تصدّر اليمن المساهمة الرقمية، تليه السعودية ومصر، مع حضور إماراتي وخليجي أوسع. هذا التقاطع الجغرافي يشير إلى أن النقاش قُدّم كقضية إقليمية لا كخلاف داخلي يمني أو كصراع ثنائي بحت بين الرياض وأبوظبي.
التحليل الدلالي للخطاب يكشف تمايزاً واضحاً. في العيّنة الإماراتية، يميل المزاج العام نحو خطاب إيجابي تعبوي يمجّد الإمارات ومحمد بن زايد ويربطهما مباشرة بالجنوب والمجلس الانتقالي. أما العيّنة السعودية فتظهر انقساماً حاداً: نسبة معتبرة من التغريدات هجومية أو جدلية أو ناقدة، فيما تتواجه داخل الحقل السعودي أصلاً سرديتان: واحدة تدافع عن دور السعودية في اليمن، وأخرى جنوبية توجّه اللوم إلى الرياض.
في هذا التمايز يبرز سؤال مهم: هل كانت الإمارات تبني “سردية استقرار” حول المجلس الانتقالي والجنوب؟ وهل كانت السعودية في المقابل تحاول ضبط حدود الشرعية اليمنية أو إعادة تعريفها؟
الأرقام والوسوم تذهب في هذا الاتجاه.
هندسة التأثير: من يصوغ ومن يضخّ ومن يرفع الوسوم؟
التحقيق يقدّم نموذجاً ثلاثي الطبقات لإدارة أثر السرديات الرقمية:
طبقة الإعلام الجماهيري عبر قنوات كبرى مثل “العربية”، “الحدث”، “الجزيرة” و”الشرق”، منصات يمنية وخليجية، وهذه القنوات تؤطر الحدث وفق سرديات محددة بحيث أنها تتحكم في تقديم الحدث للجمهور من خلال توصيفه كـ”خبر عاجل” ثم تثبيته كعنوان.
طبقة النخب من محللين وكتّاب رأي سياسيين معروفين في السعودية والإمارات مثل عبدالخالق عبدالله وعضوان الأحمري. هؤلاء النخب ينشرون آراء وتعليقات سياسية تتحول الى مرجعية في السردية التي يعاد تداولها ضمن الحملات. تعليقاتهم تمنح الحملات تفسيراً خطابياً وتضفي عليها شرعية سياسية أو نقدية. هذه الطبقة من المعلقين تنتج تغريدات قليلة لكنها تحصد ملايين المشاهدات، ما يجعلها مرآة الجمهور وصانعة إطار النقاش.
طبقة “المضخّات” حيث تنتشر آلاف الحسابات الصغيرة ذات النشاط المفرط، تضخّ الوسوم وتعيد نشر النصوص المتطابقة وتشارك في ساعات الذروة وفي وقت متقارب، ما يشير الى سلوك تعبوي يهدف الى رفع الوسم أو فرض خطاب واحد على التايملاين. في العيّنة الإماراتية، يتجلى ذلك في وسوم هتافية مثل #محمد_بن_زايد_عزنا_وفخرنا، وفي العيّنة السعودية يظهر عبر «حزم وسوم» ذات طبيعة نزاعية.
إلى جانب ذلك، يشير التحقيق إلى وجود فئة “جسرية” تتجاوز المعسكرين، تضم يمنيين وجنوبيين وإعلاميين، ما يساهم في نقل الخطاب عبر الحدود الرقمية بدل عزله داخل فقاعات من خلال “جسور” من المغردين.
المجلس الانتقالي الجنوبي: مركز الصراع لا خلفيته
المادة المركزية في هذا التحقيق، والتي تمنحه قيمته البحثية، هي تأكيد أن موضوع الخلاف لم يكن اليمن ككل بل المجلس الانتقالي الجنوبي تحديداً. في العيّنة الإماراتية، يظهر الانتقالي في نحو ثلاثة أرباع التغريدات. ليس كملحق، بل كمحور خطاب تبريري ودفاعي وهوياتي. في المقابل، يحضر الانتقالي في العيّنة السعودية في نحو 40 في المئة من التغريدات، غالباً في سياق هجومي أو نقدي.
وراء هذا الصراع تكمن أسئلة أكبر: من يُمثّل الجنوب اليمني؟ ما معنى الشرعية؟ وما شكل الدولة اليمنية المقبلة؟ في الخطاب الإماراتي تغيب تقريباً مفردة “الدولة اليمنية” أو “الشرعية”، ويحل جنوب حضرموت وعدن والكيان السياسي الجنوبي محلها. في الخطاب السعودي، تُستعاد الدولة اليمنية ككيان مهدد بالتقسيم، فيما يُقدّم الانتقالي كعنصر يحتاج إلى “ضبط” أو “تحجيم”.
السياق السياسي الأوسع: انفصال الملف اليمني عن مسار التحالف
الخلاصة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذه الحرب الرقمية هي تحوّل اليمن إلى مسرح صراع سرديات سعودية – إماراتية بعد سنوات من التعاون العسكري والسياسي في الحرب على الحوثيين. وإذا كانت الإمارات قد بنت حضورها العسكري والسياسي في الجنوب حول الانتقالي منذ 2016، فإن التحقيق يظهر كيف تحوّل هذا الوجود إلى خطاب تعبوي منظم. في المقابل، تبدو السعودية أمام معضلة مزدوجة: الحفاظ على مشروع الدولة اليمنية الموحدة، وضبط الحليف الجنوبي الذي يمضي نحو تعريف شرعيته الخاصة.
الطبقة النخبوية في هذا المشهد ليست تجميلاً نظرياً، بل عنصر تحشيد وتعبئة، فهي ترفع منسوب التوتر حين يحتاج الجمهور إلى تفسير الأزمة، لكنها ترسم في الوقت نفسه “خطوطاً حمراء” تمنع تحوّل الصراع اللفظي إلى إعلان قطيعة سياسية بين الرياض وأبو ظبي. هكذا، يتحول عبدالخالق عبدالله إلى من يُعيد توصيف الخلاف كـ”تكتيكي لا استراتيجي”، فيما يصوغ عضوان الأحمري خطاباً مضاداً ينزع الشرعية عن الانتقالي ويحمّل الإمارات مسؤولية “سوء إدارة الملف اليمني”.
اليمن بوصفه اختباراً لسرديات القوة الإقليمية
حرب الوسوم لم تحسم الصراع، لكنها كشفت بنيته. اليمن اليوم ليس فقط ساحة حرب عسكرية أو مفاوضات سياسية، بل أيضاً فضاء تنازع سرديات إقليمية حول من يملك الجنوب، ومن يحدد شكل الدولة، ومن يملك تعريف الشرعية.
بذلك، يصبح السؤال ليس كيف اندلعت الحرب الرقمية، بل ما الذي تكشفه عن لحظة سياسية أوسع، وعن علاقة إماراتية – سعودية تقوم على الشراكة في ملفات، والتنافس الصريح في أخرى.