في خضم التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها اليمن، ومع تصاعد الأحداث الأخيرة في جنوب وشرق البلاد، وعودة الدعوات إلى حوار جنوبي-جنوبي بوصفه مدخلا لإعادة ترتيب ما عرف بـ "القضية الجنوبية"، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الجنوب إلى كامل الجغرافيا اليمنية: أي شكل من أشكال الحكم يمكنه أن يمنع إعادة إنتاج الصراع، ويؤسس لدولة مستقرة وقابلة للحياة؟
سيقف اليمنيون أمام تحدٍ مزدوج: إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، ومنع الانهيار المتكرر الذي خبرته البلاد مؤخرا، وفي محطات تاريخية سابقة.
وفي هذا السياق، تطرح اللامركزية- بأشكالها المختلفة- كخيار جذاب، بل وضروري في نظر كثيرين، وهذا ما ذهب إليه فعلا مؤتمر الحوار الوطني قبل أكثر من عقد، عندما وضع خيار هيكل الستة أقاليم؛ لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت اللامركزية مطلوبة، بل أي "لامركزية"، وتحت أي شروط، وبأي سقوف سياسية ووطنية؟
اللامركزية، في جوهرها، تعني نقل جزء من الصلاحيات السياسية والإدارية والمالية من السلطة المركزية إلى سلطات محلية منتخبة أو متوافق عليها، تعمل ضمن إطار دستوري وطني واضح.
وهي ليست نموذجا واحدا، بل طيفا واسعا يبدأ باللامركزية الإدارية، ويمر باللامركزية المالية، وقد يصل- في بعض التصورات- إلى أشكال من الحكم الذاتي أو الفدرالية.
بين المركز والأطراف: أزمة السلطة التاريخية
لم يكن الصراع في اليمن يوما مجرد صراع آني نتج عن أحداث 2011 أو انقلاب 2014، بل هو امتداد لاختلالات بنيوية عميقة في شكل الدولة نفسها.
فمنذ قيام النظام الجمهوري، في كلا الشطرين، عانى اليمن من مركزية شديدة في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، تركزت في العاصمة، وأديرت من خلال شبكات نفوذ عسكرية وقبلية وسياسية، ما أدى إلى تهميش واسع للمحافظات والمناطق الطرفية.
وعند هذا المشهد، يستحضر الكثيرون ما ينسب للرئيس الراحل علي عبدالله صالح عند وصفه حكم اليمن بأنه "كالرقص على رؤوس الثعابين".
أدت هذه المركزية- أو الرقصة- المقترنة بضعف المؤسسات وغياب العدالة في توزيع الثروة والسلطة، إلى تراكم مظالم تاريخية، كان أبرز تجلياتها "القضية الجنوبية"، ثم لاحقا انفجار الصراعات المناطقية والطائفية، وصولا إلى الحرب الشاملة.
ومع الانقسام الحالي بين سلطات أمر واقع متعددة، بات سؤال: "من يحكم؟" لا يقل أهمية عن سؤال: "كيف يحكم؟".
التنوع اليمني: فرصة أم حقل ألغام؟
يتميز اليمن بتنوع جغرافي واجتماعي ومذهبي وقبلي واضح، يتوزع بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، والساحل والمرتفعات والصحراء، والمراكز الحضرية والأرياف.
هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يشكل مصدر غنى وقوة، تحول في ظل الدولة المركزية الضعيفة إلى عامل توتر وصراع، خصوصا عندما غابت آليات التمثيل العادل والمشاركة السياسية الحقيقية.
أضف إلى ذلك محاولة القفز على الواقع والتاريخ: فاليمن كان جمهوريتين يمنيتين قبل الوحدة، والجنوب كان مستعمرة (عدن) ومحميات شرقية ومحميات غربية قبل خروج الاستعمار البريطاني.
وفي ظل غياب إحصاءات سكانية دقيقة وحديثة، وصعوبة الحديث عن توزيع سكاني أو اقتصادي متوازن بين المحافظات، يصبح أي نقاش حول اللامركزية محفوفا بالمخاوف: هل ستؤدي إلى تمكين المجتمعات المحلية، أم ستكرس الانقسام وتحول المحافظات والأقاليم إلى كيانات متنافسة أو متنازعة؟
في الحالة اليمنية، يختلط النقاش حول اللامركزية بالنقاش حول شكل الدولة نفسها: دولة اتحادية من عدة أقاليم؟ دولة بسيطة مع صلاحيات موسعة للمحافظات؟ أم ترتيبات انتقالية خاصة ببعض المناطق، مثل الجنوب، في انتظار تسوية وطنية شاملة؟
اللامركزية كحل.. وشروط النجاح
كما في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، غالبا ما تقدم اللامركزية كأداة لتقريب السلطة من المواطنين، وتحسين تقديم الخدمات، وتقليل فرص العودة إلى العنف. غير أن تبني هذا الخيار في اليمن لا يمكن أن يكون وصفة جاهزة، بل هو مشروط بعدة عوامل أساسية:
أولا؛ وجود سلطة مركزية شرعية وقادرة:
فالمفارقة أن نجاح اللامركزية يتطلب مركزا قويا، لا مركزا غائبا أو منهارا.
اون حكومة مركزية تمتلك احتكارا نسبيا لاستخدام القوة، وقدرة على التنسيق والرقابة وإعادة التوزيع المالي، ستتحول اللامركزية إلى غطاء للفوضى أو للتفكك.
ثانيا؛ وطنية الفاعلين السياسيين:
فاللامركزية السياسية في بيئة تهيمن عليها قوى ذات مشاريع مناطقية أو انفصالية قد تفتح الباب أمام تكريس الانقسام، لا إدارته.
وهذا التحدي حاضر بقوة في اليمن، خاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية، حيث تتقاطع الدعوة إلى الحوار الجنوبي-الجنوبي مع أسئلة الهوية السياسية والعلاقة مع بقية اليمن.
ثالثا؛ وضوح الصلاحيات وتدرج التطبيق:
يجب التمييز بين اللامركزية الإدارية، التي تركز على تحسين إدارة الخدمات، واللامركزية السياسية، التي تمنح سلطات تشريعية وتنفيذية محلية. في السياق اليمني، قد يكون التدرج، والبدء بتعزيز الإدارة المحلية والموارد، خيارا أكثر أمانا من القفز مباشرة إلى ترتيبات سياسية معقدة.
الجنوب واللامركزية: بين الحوار والمخاطر
تأتي الدعوة إلى حوار جنوبي-جنوبي في لحظة حساسة، تعكس إدراكا متزايدا داخل "الجنوب" أن الانقسام الداخلي، كما برز في أحداث حضرموت الأخيرة، لا يقل خطورة عن الخلاف مع الشمال. ويمكن لمثل هذا الحوار أن يشكل فرصة لإعادة تعريف المطالب الجنوبية، وصياغتها في إطار سياسي أكثر شمولا وواقعية.
غير أن ربط اللامركزية حصريا بـ"الجنوب"، أو تقديمها كحل خاص بمنطقة دون أخرى، يحمل مخاطر واضحة. فاللامركزية إذا لم تطرح كمشروع وطني شامل، يراعي العدالة بين جميع المحافظات، قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة، سواء بين الجنوب وبقية البلاد، أو داخل الجنوب نفسه.
ويجب ألا ننسى الحقيقة التي عادة ما تغفل في مثل هذه الظروف، وذلك أن من أكثر القضايا حساسية في أي نظام لامركزي هي مسألة الموارد. فالمحافظات اليمنية تختلف بشكل كبير في قدراتها الاقتصادية، من مناطق غنية بالموانئ أو الموارد الطبيعية، إلى محافظات فقيرة تعتمد بشكل شبه كامل على التحويلات المركزية.
وعليه، فإن أي نظام لامركزي لا بد أن يتضمن آليات واضحة لإعادة التوزيع المالي، تضمن حدا أدنى من العدالة في الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والبنية التحتية. ولا يتأتى هذا إلا من خلال وجود سلطة مركزية شرعية وقادرة.
خلاصة: اللامركزية ليست بديلا عن الدولة
تأتي الدعوة إلى حوار جنوبي-جنوبي في لحظة مفصلية من تاريخ اليمن المعاصر، حيث يتقاطع الإرهاق المجتمعي من الصراع مع إدراك متزايد داخل الجنوب أن استمرار الانقسام الداخلي يهدد أي مشروع سياسي مستقبلي، مهما كانت طبيعته أو سقوفه.
غير أن تجارب دول أخرى مرت بظروف مشابهة تظهر بوضوح أن الحوارات الداخلية، في السياقات الخارجة من النزاع، يمكن أن تكون إما مدخلا للاستقرار أو بوابة لصراع جديد بصيغة مختلفة.
تشير التجارب المقارنة إلى أن نجاح أي حوار داخلي مشروط أولا بشموليته. فقد أظهرت حالات مثل ليبيا، وجنوب السودان أن حصر الحوار في القوى المسلحة أو النخب السياسية المهيمنة يؤدي غالبا إلى اتفاقات هشة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار ميداني.
في المقابل، ساعد إشراك طيف واسع من الفاعلين الاجتماعيين- كما في نيبال، أو إقليم آتشيه الإندونيسي- على تحويل الحوار من تفاهم نخبوي مؤقت إلى مسار مجتمعي أكثر رسوخا.
وفي الحالة الجنوبية، فإن تجاهل التنوع السياسي والمناطقي داخل الجنوب، أو اختزال تمثيله في فاعل واحد، قد يعيد إنتاج مظالم داخلية لا تقل خطورة عن تلك التي نشأت تاريخيا في العلاقة مع المركز.
وتحذر التجارب المقارنة من مخاطر تحويل اللامركزية أو الحكم المحلي إلى بديل عن الدولة، لا إلى واحد من أدوات بنائها. ففي الصومال، وليبيا، أدى غياب المركز القادر على التنسيق وإعادة التوزيع إلى تحول الكيانات المحلية إلى سلطات أمر واقع متنافسة.
ومن هنا، فإن أي تصور جنوبي للحكم الذاتي أو اللامركزي، إن لم يطرح ضمن أفق وطني أوسع وتسوية يمنية شاملة، قد يسهم- ولو دون قصد- في إعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة، سواء داخل الجنوب، أو بين الجنوب وبقية البلاد.
اللامركزية في اليمن ليست عصا سحرية، ولا بديلا عن إعادة بناء الدولة، بل هي أداة من أدواتها. وإذا أسيء تصميمها أو تطبيقها في ظل انقسام سياسي وأمني حاد، فقد تسهم في تعميق الصراع بدل معالجته. فبدون حكومة مركزية قوية، في ظل هوية وطنية جامعة، تحتكر السلاح، وقادرة على إعادة توزيع الثروة، فمصير اللامركزية هو استمرار الفشل، كما هو الحال في الصومال، وفي البوسنة والهرسك، وجنوب السودان، وليبيا.
الرهان الحقيقي، بالنسبة لليمن، يكمن في بناء عقد وطني جديد، يعترف بالتنوع، ويعالج المظالم، ويعيد توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، ضمن دولة واحدة، مهما اختلف شكلها. عندها فقط، يمكن للامركزية مدروسة أن تكون جسرا نحو الاستقرار، لا طريقا آخر نحو التفكك.