[ رويترز ]
قال قادة متمردون، طرقوا باب غرفة فندقي في مدينة عدن الساحلية اليمنية عام 2011، إن لديهم رسالة بالغة الأهمية يرغبون في إيصالها.
وبقدرٍ من الجدية والوقار، سلّمني مبعوثان من الحراك الجنوبي الانفصالي رسالة موجّهة إلى «ملكة إنجلترا». وطلبا مني إبلاغها بأنهم اعتنوا جيدًا بسيارة رولز رويس التي استخدمتها خلال جولتها في المدينة عام 1954، وأن بإمكانها استعادتها متى شاءت.
لكن الأهم، بحسب قولهم، هو أن تعلم الملكة أن البلاغ البريطاني الذي منح جنوب اليمن استقلاله تضمّن خطأً تقنيًا. ونتيجة لذلك — كما أصرّوا — فإن كلاً من عدن وصحارى حضرموت، أي الأقاليم السابقة لمستعمرة التاج ومحمية اليمن، لا تزال، من الناحية القانونية، ملكًا للملكة. ولذلك، قالوا، سيكونون بالغَي الامتنان إذا ما عادت لاستعادتها من النظام الفاسد في العاصمة اليمنية صنعاء.
وتحت الحماية البريطانية، جادلوا، يمكن لجنوب اليمن أن يتحرر مجددًا من اتحاده التعيس مع شمال اليمن، وهو الاتحاد الذي تشكّل عام 1990 وأفضى إلى قيام الجمهورية اليمنية.
ولسنوات طويلة، بدت مثل هذه الادعاءات أقرب إلى خيالٍ نوستالجي لا أكثر. غير أنّ ذلك الحلم بدا، الشهر الماضي، وكأنه يتحقق لفترة وجيزة — لا بفضل بريطانيا، بل على يد قوة جديدة تُتَّهم بنزعات إمبريالية حديثة: دولة الإمارات العربية المتحدة. غير أنّ ما أعقب ذلك لم يكن استقلال الجنوب، بل قطيعة مع السعودية، تهدّد بإطلاق سلسلة من الاضطرابات وعدم الاستقرار في عموم المنطقة.
وفي هجومٍ خاطف يوم 2 ديسمبر/كانون الأول، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المتمركزة في عدن — وهو فصيل منبثق عن الحراك الجنوبي ويحظى بدعم إماراتي — على مساحات واسعة من حضرموت ومحافظة المهرة شرقي البلاد. وخلال أيام قليلة، بسط الانفصاليون سيطرتهم على المحافظات الثماني كافة التي كانت تشكّل في السابق دولة جنوب اليمن.
ولوهلة، بدا أن الإمارات العربية المتحدة قد هندست إعادة رسمٍ دراماتيكية للخريطة الإقليمية في اليمن، بعد أكثر من عقد على اندلاع أحدث حروبه وأكثرها دموية، وهي حرب أودت بحياة ما يُقدَّر بنحو 377 ألف شخص، في خطوة تعزّز طموحات أبوظبي في توسيع نفوذها الإقليمي.
غير أنّ ما بدا في ظاهره استحواذًا محليًا على السلطة داخل اليمن سرعان ما كشف عن أمرٍ أكبر بكثير.
فبعد أسبوعين فقط، تحوّل الانتصار إلى إذلال؛ إذ أدّى تدخل عسكري سعودي واسع النطاق إلى إجبار الانفصاليين على التراجع بالسرعة ذاتها التي كانوا قد تقدموا بها، ما أدخل العلاقات بين أبرز قوتين في الخليج في أزمة مفتوحة.
ولسنوات، سارت السعودية والإمارات جنبًا إلى جنب، في مسارٍ متوازٍ أعاد تشكيل شبه الجزيرة العربية من هامشٍ جيوسياسي إلى مركز ثقلٍ عالمي.
أما اليوم، فقد تفجّرت التوترات بين قيادتي البلدين — وكلاهما وضع نفسه ضمن أقرب الشركاء الدوليين للرئيس الأميركي دونالد ترامب — إلى العلن، بما ينذر بتداعيات دولية خطيرة محتملة.
ويقول محمد الباشا، وهو محلل لشؤون الشرق الأوسط مقيم في الولايات المتحدة: «إنه طلاقٌ علنيّ بكل معنى الكلمة. تم تبادل أوراق الدعوى، وبُثّت أدلة مرئية ومسموعة. لقد أصبح المشهد قبيحًا للغاية».
ومع أنّ الدولتين كانتا بالفعل على خلاف بشأن الحرب الأهلية في السودان، حيث يدعم كلٌّ منهما طرفًا نقيضًا، إلا أن هذا الشرخ يهدّد بزعزعة استقرار الشرق الأوسط، وإرباك أسواق النفط، وإثارة قلق المستثمرين الأجانب. كما أن للأزمة تداعيات داخل اليمن أيضًا، حيث قد يستفيد فرع تنظيم القاعدة المحلي من تجدّد الفوضى. وكانت القوات الخاصة الإماراتية — التي انسحبت هذا الأسبوع تحت ضغطٍ سعودي — قد قادت في السابق الجهود الإقليمية لمكافحة المسلحين، إلى جانب بريطانيا والولايات المتحدة.
وتبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب قلقةً بوضوح. فقد أجرى ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، اتصالات مكثفة مع الجانبين، وعقد هذا الأسبوع محادثات عاجلة مع وزير الخارجية السعودي في واشنطن.
وكانت السعودية والإمارات قد تدخلتا بشكلٍ مشترك في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015 لمنع وقوع البلاد تحت نفوذ جماعة الحوثي المدعومة من إيران. غير أنّ التحالف المناهض لإيران انقلب لاحقًا على نفسه، إذ بات البلدان يدعمان فصائل متنافسة وجّهت سلاحها نحو بعضها البعض بدلًا من مواجهتهما للحوثيين، الذين يسيطرون على صنعاء ومعظم شمال اليمن.
وبلغت الأزمة ذروتها الأسبوع الماضي، عندما أقدمت السعودية — القلقة من إزاحتها عن دورها في دولةٍ مجاورة تعتبرها جزءًا راسخًا من مجال نفوذها — على قصف ميناء المكلا الحضرمي، مدمّرةً ما قالت إنه شحنة أسلحة كانت الإمارات تقوم بتسليمها إلى الانفصاليين.
وقد طالبت الرياض — ونجحت في انتزاع — التزامٍ إماراتي بسحب قواتها من اليمن، غير أنها أخفقت حتى الآن في إجبار خصمها على التخلي عن دعمه لشبكة الميليشيات المحلية التابعة له.
وفي انتكاسةٍ مهينة للطموحات الإماراتية، قامت الطائرات السعودية بدحر قوات الانفصاليين بسرعة، رغم أن هذه القوات كانت، قبل أسابيع قليلة فقط، واثقة إلى حد الإعلان عن خطط لإجراء استفتاء على انفصال الجنوب خلال عامين.
ولأكثر من عقد من الزمن، بدت السعودية والإمارات ظاهريًا في خندقٍ واحد في اليمن، إذ عكس تدخلهما المشترك متانة العلاقة المتنامية بين «المحمدين»: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المعروف بـ MBS، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، المعروف بـ MBZ.
وبحكم فارق الجيل، لعب محمد بن زايد في البداية دور المرشد لمحمد بن سلمان، فعمل على تعزيز صورته في واشنطن، وتعاون معه في الترويج لتفسير أكثر حداثة للإسلام. ومعًا، قاما بعزل قطر، وسعيا إلى مواجهة إيران، بما أعاد تشكيل المنطقة وفق رؤيتهما «الحديثة» — وإن كانت ذات طابع سلطوي.
غير أنّ خلف أجواء الودّ، كانت التوترات تتراكم بالفعل. إذ تحوّل التعاون تدريجيًا إلى تنافس، مع ضغط السعودية على الشركات الدولية لنقل مقارها الإقليمية من دبي إلى الرياض، في إطار مسعاها لإعادة ابتكار المملكة كمركزٍ عالمي للأعمال.
كما تصاعد امتعاض الرياض من سياسة خارجية إماراتية متزايدة النزعة الأحادية. فقد رأت السعودية — بحسب تذمّر مسؤولين فيها — أن الإمارات قوّضت وحدة الخليج عبر استعادة العلاقات مع بشار الأسد، الرئيس السوري السابق، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، والانحياز إلى روسيا بدلًا من السعودية في قضايا الطاقة.
ومع مرور الوقت، امتد هذا التنافس إلى ساحات صراع خارجية. ففي كلٍّ من السودان واليمن، بدأ السعوديون والإماراتيون بدعم فصائل متعارضة، بعدما كانوا في البداية يقفون إلى جانب الأطراف ذاتها.
ففي اليمن، كانت أهداف الطرفين متباينة منذ البداية. فالإمارات العربية المتحدة، بوصفها خصمًا شرسًا للإسلام السياسي، تشاركت مع السعودية العداء لإيران، لكنها أبدت تشككًا إزاء تحالف الرياض مع فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن. ومع تركيز السعودية على شمال اليمن وأمن الحدود، في مقابل تركيز الإمارات على الموانئ الجنوبية وخطوط الملاحة البحرية، انتهى الأمر بدعم كلٍّ منهما لفصائل متنافسة.
ولا يزال سبب إقدام الإمارات على المجازفة باستفزاز السعودية غير واضح. ويرى محللون أن أبوظبي ربما أساءت التقدير، مراهنةً على أن الرياض فقدت اهتمامها باليمن في ظل سعيها إلى تسوية إقليمية أوسع.
ورغم أن الإمارات تحرّكت بسرعة لاحتواء الأزمة المباشرة عبر سحب قواتها خلال 48 ساعة، فإن المخاوف تتزايد من استمرار هذا التنافس، بما ينذر بعواقب وخيمة على اليمن.
ويقول فارع المسلمي، الباحث في شؤون الشرق الأوسط لدى مركز الأبحاث الدولي «تشاتام هاوس»: «لقد موّلت الإمارات ودربت وسلّحت ما لا يقل عن 100 ألف مقاتل في اليمن. وهي تحتفظ بنفوذٍ واسع يتجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي. وبالنظر إلى حجم ما استثمرته، فإن خوض حرب بالوكالة يظل خيارًا رخيصًا وبسيطًا بالنسبة لها».
ويضيف: «الأمر الأكثر إيلامًا هو أن ملايين اليمنيين سيتحملون مزيدًا من المعاناة».
ولا تقتصر المخاطر على اليمن وحده. فالمناطق التي تعاونت فيها الدولتان سابقًا، أو على الأقل تجنبتا فيها المواجهة، قد تتحول إلى ساحات جديدة للتنافس في أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.
ويحذّر المسلمي قائلًا: «سينتقل هذا الصراع إلى ليبيا، وإلى سوريا، وإلى لبنان، وإلى فلسطين. وستكون هناك تداعيات في البحر، وفي التجارة، وفي جهود مكافحة القاعدة، وفي قضايا الهجرة. إنها صورة مقلقة للغاية».
وسواء تراجعت حدة التوترات في اليمن أم لا، يبدو أن السعودية عازمة على كبح الطموحات الإماراتية في ساحاتٍ أخرى.
ويقول محمد الباشا، المحلل المقيم في الولايات المتحدة: «حتى لو أصبحت الأوضاع أكثر هدوءًا في اليمن، فلا أعتقد أن الحال سيكون كذلك في السودان أو الصومال أو ليبيا. فقد تتجه السعودية إلى تبني نهج أكثر هجومية تجاه الإمارات، وستسعى إلى استهداف شبكتها الإقليمية».
وخلال أسابيع قليلة، باتت علاقةٌ ثنائية تُعدّ، إلى حدٍّ بعيد، الأهم في الشرق الأوسط في حالة انهيار شبه كامل، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على المنطقة.
ولم يعد محمد بن زايد ومحمد بن سلمان يتبادلان الحديث. ومع تدهور صحة والده البالغ من العمر تسعين عامًا، أصبح ولي العهد السعودي عمليًا «ملكًا في الانتظار»، ويُقال إنه بات ينظر إلى مرشده السابق على أنه لاعب صغير متغطرس يحتاج إلى إعادته إلى حجمه الطبيعي. ومع تحوّل الودّ إلى خصومة، ستتجاوز آثار هذا التحول اليمن بكثير — حيث باتت آفاق استقلال الجنوب تبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى.