شكّلت الأيام الأخيرة من عام 2025 نقطة تحوّل في الشرق الأوسط، إذ خرج التنافس بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن إلى العلن. فالتوترات بين شريكي التحالف، اللذين أطلقا معًا تدخّلًا عسكريًا في اليمن عام 2015، كانت تتفاعل بهدوء منذ سنوات، لكنها تشهد اليوم تصعيدًا متسارعًا، بما يحمله ذلك من تداعيات بعيدة المدى على اليمن وعلى أمن المنطقة على نحو أوسع. وقد بلغت الأزمة ذروتها عندما نفّذت السعودية غارات جوية على ميناء المكلا في 30 ديسمبر/كانون الأول، استهدفت — بحسب الرياض — أسلحة ومعدات عسكرية قالت إنها نُقلت من الإمارات إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو فصيل مدعوم إماراتيًا يسعى إلى استقلال جنوب اليمن.
وفي بيان لافت بلهجته الصريحة، اتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات بالضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ عمليات عسكرية على طول الحدود الجنوبية للمملكة، ووصفت ذلك بأنه تهديد مباشر للأمن القومي السعودي و«خط أحمر» بالنسبة للرياض لن تتردد في مواجهته. وبعد ساعات، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رشاد العليمي) — المدعوم من السعودية — قرارًا بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، مطالبًا بسحب القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة. ومن جهتها، رفضت أبوظبي بشدة اتهامات الرياض، مؤكدة أن وجودها مرتبط بجهود مكافحة الإرهاب، فيما أعلن أربعة أعضاء مدعومين من الإمارات داخل مجلس القيادة الرئاسي، المؤلف من ثمانية أعضاء، رفضهم العلني لخطوة العليمي. ومع ذلك، أعلنت الإمارات إنهاء مهمتها في اليمن، وقالت إنها استكملت سحب ما تبقى من قواتها في 3 يناير/كانون الثاني.
وجاءت هذه التطورات المتسارعة نتيجة حملة سريعة شنّها المجلس الانتقالي الجنوبي لتكريس سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن في مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025. وتتشارك حضرموت حدودًا تمتد لنحو 700 كيلومتر مع المملكة، وتُعدّ العمق الاستراتيجي السعودي في شرق اليمن. أما المهرة، فتوفّر للرياض منفذًا مباشرًا إلى المحيط الهندي. وعلى مدى سنوات، سعت السعودية إلى تطوير مشروع خط أنابيب نفط يمتد من المنطقة الشرقية عبر المهرة إلى الساحل، بما يقلّل اعتمادها على مضيق هرمز — أحد أهم الممرات البحرية الحيوية لتجارة النفط العالمية — ويحدّ من قدرة إيران على ممارسة نفوذها على صادرات الطاقة السعودية.
وتصاعدت حدة التوتر بعد أن رفض المجلس الانتقالي الجنوبي مطالب السعودية بالانسحاب من حضرموت والمهرة وتسليم مواقعه إلى قوات «درع الوطن» المدعومة من الرياض. وتعمّق المأزق أكثر عندما رفض المجلس استقبال وفد سعودي أُوفد للتفاوض بشأن خفض التصعيد، وأصدر أوامر بإغلاق مطار عدن الدولي احتجاجًا على توجيه الحكومة اليمنية تقييد الرحلات الجوية إلى الإمارات. ووصف السفير السعودي لدى اليمن إغلاق المطار بأنه تصعيد خطير. وفي اليوم التالي، تقدّمت قوات «درع الوطن» إلى حضرموت تحت غطاء جوي سعودي، في أول تحرّك عسكري مباشر للرياض يهدف إلى إزاحة المجلس الانتقالي الجنوبي من شرق اليمن.
وفي الأيام التي تلت ذلك، جاءت التداعيات السياسية–العسكرية سريعة وحاسمة. إذ تحرّكت قوات «درع الوطن» بسرعة لإعادة فرض سيطرتها على حضرموت والمهرة، واستعادتهما من المجلس الانتقالي الجنوبي من دون مقاومة تُذكر. وفي تطور لافت، رحّب ثلاثة أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي مدعومين من الإمارات — كانوا قد رفضوا في البداية قرار الرئيس رشاد العليمي إقصاء أبوظبي من البلاد — بدعوة السعودية لاحقًا إلى إطلاق حوار جنوبي–جنوبي في الرياض. كما أيّد المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، إلى جانب محافظين ووزراء مرتبطين به في المناطق الخاضعة لسيطرته، هذه المبادرة. وقد أسهم التدخل السعودي الحازم، مقترنًا بالبراغماتية التي أبدتها القوى السياسية اليمنية في التكيّف مع تحولات موازين القوة، في إعادة تشكيل المشهد السياسي في الجنوب بوتيرة لافتة.
وتشير هذه التطورات كذلك إلى خطأ تقديري كبير من جانب الإمارات. فبدعمها تقدّم المجلس الانتقالي الجنوبي نحو شرق اليمن على امتداد الساحل، سعت أبوظبي إلى بناء أوراق ضغط على كلٍّ من السعودية وسلطنة عُمان، بالتوازي مع ترسيخ نفوذها عبر بحر العرب والقرن الأفريقي. غير أن الإمارات قلّلت من تقدير استعداد الرياض لفرض حضورها المباشر في محيطها الجغرافي القريب، وكذلك من وزن نفوذها المستمر على الفاعلين السياسيين والعسكريين في اليمن. وتؤكد هذه الحلقة حقيقة مركزية في مسار الصراع: فبينما نجحت الإمارات في بناء نفوذ عميق عبر شركاء محليين، تظلّ السعودية الفاعل الخارجي الحاسم في اليمن.
• الخلفية
في مارس/آذار 2015، أطلقت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تدخّلًا عسكريًا في اليمن، فيما عُرف لاحقًا بالتحالف الذي تقوده السعودية، بهدف التراجع عن سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وهي حركة مسلّحة زيدية شيعية نشأت في محافظة صعدة شمال اليمن، وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًا برئاسة الرئيس (عبد ربه منصور هادي). غير أن مقاربات البلدين سرعان ما تباينت. إذ ركّزت السعودية في المقام الأول على تقديم الدعم السياسي للحكومة اليمنية عبر الإسناد الدبلوماسي، بينما اعتمدت عسكريًا على القوة الجوية وحافظت على حضور محدود وغير مباشر على الأرض، مع إعطاء الأولوية لأمن الحدود والتصدي لتهديدات الصواريخ الحوثية.
وفي المقابل، نظرت الإمارات إلى الحكومة اليمنية بوصفها خاضعة لهيمنة حزب الإصلاح، الذي تعتبره مرتبطًا بجماعة الإخوان المسلمين. وكانت أبوظبي قد صنّفت جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا في عام 2014 عقب محاولة للاستيلاء على السلطة في البلاد. وبدلًا من ذلك، ركّزت الإمارات جهودها على جنوب اليمن، حيث تمكّنت من استثمار مظالم جنوبية متراكمة ومشاعر انفصالية قوية. وانصبّ اهتمامها على بناء وتدريب وتسليح قوات جنوبية، من بينها ألوية العمالقة، وقوات الحزام الأمني، وقوى نخبوية أخرى مختلفة، التي اصطفّ معظمها لاحقًا إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد أعلن مسؤولون إماراتيون علنًا أنهم درّبوا نحو 200 ألف مقاتل يمني، في مؤشر واضح على حجم البصمة الأمنية الإماراتية في البلاد.
وعلى الرغم من أن الإمارات قلّصت وجودها العسكري المباشر في اليمن عام 2019، فإنها تحوّلت إلى نمط الانخراط غير المباشر. فمنذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، دعمت أبوظبي هذا الكيان الذي يسعى إلى استعادة استقلال جنوب اليمن كما كان قائمًا قبل توحيده مع الشمال عام 1990. وبالعمل خارج تسلسل القيادة الحكومية، نجحت القوات المدعومة من الإمارات في إزاحة الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية بشكل منهجي من مختلف مناطق الجنوب منذ عام 2019، وصولًا إلى السيطرة الأخيرة على حضرموت والمهرة.
غير أن دعم الإمارات للقوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن مجرد خيار أيديولوجي أو تكتيكي، بل شكّل جزءًا لا يتجزأ من رؤيتها الاستراتيجية الأوسع. فعلى مدى العقد الماضي، سعت أبوظبي إلى توسيع حضورها البحري عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، من خلال تأمين موانئ وعُقد لوجستية للتحكم في طرق التجارة الحيوية، وترسيخ موقعها كمركز تجاري عالمي وفاعل أمني على طول الممر البحري الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر وما بعده. وفي اليمن، فرضت الإمارات سيطرتها على موانئ رئيسية وجزر استراتيجية، وطوّرت مدارج طيران وبنى تحتية لوجستية في البحر الأحمر وخليج عدن. وقد أُتيحت لأبوظبي فرصة تحقيق هذه المكاسب، جزئيًا، نتيجة تراجع الرياض عن الانخراط المكثف في اليمن خلال السنوات الأخيرة.
جاء الانخراط السعودي المتدرّج نحو تقليص وجوده في اليمن نتيجة تلاقي ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية.
أولًا، أدّى تصاعد الضغوط الدولية على الرياض لإنهاء حربها في اليمن إلى التوصل إلى اتفاق ستوكهولم عام 2018، وهو اتفاق لوقف إطلاق النار أتاح للحوثيين الاحتفاظ بالسيطرة على ميناء الحديدة الحيوي، وأجبر الحكومة اليمنية على اتخاذ موقف دفاعي.
ثانيًا، دفعت الهجمات الصاروخية وبالطائرات المُسيّرة التي شنّها الحوثيون على الأراضي السعودية بشكل متواصل بين عامي 2015 و2022 — والتي قاربت ألف هجوم صاروخي ونحو 350 هجومًا بطائرات مُسيّرة — الرياض إلى إعادة تقييم أولوياتها.
ثالثًا، بات الصراع اليمني يُشكّل عبئًا مكلفًا يشتّت الانتباه عن رؤية ولي العهد الأمير (محمد بن سلمان) 2030، وهي الاستراتيجية طويلة الأمد للتنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل، كما أصبح عائقًا أمام مساعي المملكة لإعادة تقديم نفسها إقليميًا بوصفها فاعلًا دبلوماسيًا وصانعًا للسلام.
ومع تبنّي السعودية لهذا التحوّل، انتقلت من نهج المواجهة إلى سياسة خفض التصعيد والاحتواء، مع الاعتماد المتزايد على الوساطة لإدارة التوترات. ففي يوليو/تموز 2020، رعى اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والذي نصّ على تشكيل حكومة مناصفة (50:50) بين المحافظات الشمالية والجنوبية، وإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية وإخضاعها لوزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين. ورغم أن الاتفاق أتاح عودة أعضاء من الحكومة إلى عدن، فإن شقه العسكري لم يُنفّذ قط، وبقي حضور الحكومة محدودًا، في حين واصل المجلس الانتقالي الجنوبي توسيع نفوذه.
وبحلول عام 2022، انتقلت السعودية من إدارة الصراع إلى العمل فعليًا على هندسة خروجٍ منظّم من اليمن. فقد باشرت محادثات مباشرة مع الحوثيين، وفي أبريل/نيسان 2022، ضغطت على الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي لنقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي المكوَّن من ثمانية أعضاء. وكانت هذه الخطوات تهدف إلى التمهيد لتسوية سياسية تتيح للرياض الانسحاب من النزاع بصورة منظّمة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، استؤنفت محادثات السلام اليمنية في سلطنة عُمان، في محاولة لإحياء خارطة الطريق السياسية التي رعتها السعودية، والتي كانت قد تعثّرت في عام 2023 عقب تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر على خلفية حرب إسرائيل–حماس. وتهدف هذه الخارطة إلى تيسير التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية بين الحكومة اليمنية والحوثيين. وفي هذا السياق، ومع إعادة ضبط موازين الإقليم، يبدو أن التحرك العسكري الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي صُمّم لتعزيز موقعه التفاوضي، وبالنتيجة توسيع هامش النفوذ الإماراتي في أي مفاوضات مقبلة.
• ترسيخ التفكك المؤسسي
بدلًا من توحيد القوى اليمنية، أسهم إنشاء مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022 في إضفاء طابع مؤسسي على تنافس مجالي النفوذ السعودي والإماراتي، ما عمّق حالة الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وقد اتسع النفوذ الإماراتي عقب تشكيل المجلس، إذ إن أربعة من أعضائه الثمانية — ثلاثة منهم مرتبطون بالمجلس الانتقالي الجنوبي — يحظون بدعم أبوظبي، ويقودون مجتمعين القسم الأكبر من القوات المسلحة المناهضة للحوثيين. وخلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، بسط المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على معظم مناطق جنوب اليمن، منهيًا فعليًا الوجود الحكومي هناك.
وفي المقابل، وبدلًا من تعزيز قوات الحكومة اليمنية، اعتمدت السعودية بصورة متزايدة على هياكل أمنية موازية خاضعة لإشرافها المباشر، ما أسهم في تقويض موقع الحكومة اليمنية أكثر فأكثر. ووفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2020، ظلّ دعم التحالف الذي تقوده السعودية للقوات العسكرية الحكومية اليمنية غير كافٍ، الأمر الذي قيّد قدرة الحكومة على تنفيذ عمليات عسكرية مستدامة أو واسعة النطاق. وفي يناير/كانون الثاني 2023، رعت الرياض إنشاء قوات «درع الوطن»، وهي قوة قوامها نحو 45 ألف مقاتل، جرى تجنيد غالبيتهم من المحافظات الجنوبية. وبالتوازي، دعمت أيضًا تشكيل قوات الطوارئ اليمنية، التي يُقدَّر عدد عناصرها بنحو 30 ألف مقاتل، معظمهم من المحافظات الشمالية، ونُشرت على طول حدود صعدة والجوف مع جنوب السعودية، بهدف حماية المملكة من أي توغلات محتملة للحوثيين. وقد وُضعت هذه القوات رسميًا تحت سلطة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، غير أنها عمليًا تعمل خارج هيكل القيادة التابع لوزارة الدفاع اليمنية، وتخضع لإشراف وتوجيه وسيطرة سعودية مباشرة.
• إعادة الانخراط السعودي وإعادة الاصطفاف الإقليمي
يعكس التصعيد السعودي–الإماراتي في اليمن تحوّلًا حديثًا في المقاربة الإقليمية للمملكة العربية السعودية، إذ تسعى الرياض بصورة متزايدة إلى إعادة تأكيد نفوذها في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بعد سنوات من الانكفاء الحذر.
ومنذ عام 2021، أعادت الرياض ضبط تحالفاتها الإقليمية بما يتماشى مع رؤية 2030؛ فعمّقت علاقاتها مع سلطنة عُمان، واستعادت علاقاتها مع قطر، وعملت على تطبيع العلاقات مع تركيا. وفي عام 2023، انتهجت السعودية سياسة خفض تصعيد استراتيجية مع إيران، تُوّجت بالاتفاق الذي رعته الصين في مارس/آذار 2023، كما باتت تعتمد بشكلٍ متزايد على القنوات الدبلوماسية العُمانية لتيسير الانخراط مع الحوثيين وإدارة خفض التصعيد في اليمن. ويعكس هذا التحوّل مسعىً سعوديًا أوسع للابتعاد عن السياسات الإقليمية الصدامية، والاتجاه نحو شراكات براغماتية تركز على التكامل الاقتصادي، والتجارة، والاستثمار، والمرونة الدبلوماسية.
وعلى غرار السعودية، تنظر سلطنة عُمان إلى سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظة المهرة — التي تشترك معها بحدود طويلة — بوصفها تهديدًا خطيرًا لأمنها القومي. وقد أعاد تمدد المجلس إحياء هواجس مسقط المتجذّرة في الذاكرة التاريخية بشأن دعم نظام جنوب اليمن ذي التوجه الماركسي لتمرّدٍ استمر عقدًا من الزمن في عُمان خلال منتصف القرن العشرين. وعلى نطاق أوسع، أصدرت عدة دول إقليمية، من بينها قطر وعُمان ومصر وتركيا، إلى جانب دول في القرن الأفريقي مثل السودان وإريتريا وجيبوتي، بيانات أكدت فيها دعمها لوحدة اليمن وسلامة أراضيه. وقد عزّز هذا التقارب الموقف السعودي بين الشركاء الإقليميين، وأبرز قدرة الرياض على حشد التأييد الدبلوماسي، في مقابل الإمارات التي تُعد الداعم الإقليمي الوحيد للمجلس الانتقالي الجنوبي.
وعقب سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة، تحرّكت السعودية سريعًا للتواصل مع قطر وسلطنة عُمان على أعلى المستويات. وبعد إعلان الإمارات سحب قواتها من اليمن في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، عقد وزيرا خارجية السعودية وعُمان اجتماعًا في الرياض لبحث تطورات الوضع في اليمن وسبل خفض التصعيد والتوصل إلى حل سياسي. وتشير هذه التحركات إلى إعادة اصطفاف إقليمي ومسعى لبناء تحالفات تتجاوز الإمارات. وبالتوازي، عقدت السعودية وإيران والصين اجتماعًا ثلاثيًا عبّرت خلاله عن دعمها للتوصل إلى حل سياسي «شامل» في اليمن.
وعبر البحر الأحمر، يعكس الشرخ السعودي–الإماراتي في اليمن تنافسًا أوسع على النفوذ في القرن الأفريقي وعلى امتداد الممرات البحرية الحيوية. إذ باتت الرياض تؤكد حضورها بصورة متزايدة من خلال الدبلوماسية وأدوات النفوذ المالي والانخراط الإقليمي. وقد صاغ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان القوة السعودية ضمن إطار يقوم على خفض التصعيد وبناء التحالفات، مع اعتبار البحر الأحمر عنصرًا محوريًا في تنفيذ أجندة رؤية 2030 الطموحة. في المقابل، جمعت الإمارات بين الاستثمارات الاقتصادية في الموانئ والعُقد اللوجستية ونهجٍ أكثر أمننة، يعتمد على شبكات مسلحة، والسيطرة على موانئ استراتيجية، وتوظيف وكلاء محليين للتأثير في الوقائع الميدانية. وهذا النموذج، الذي غالبًا ما يتجاوز السلطات المركزية للدول، بات يصطدم على نحو متزايد بالأولويات السعودية القائمة على العمل عبر الحكومات المركزية وتحقيق الانسجام الدبلوماسي.
وبات هذا التباين بين القوتين الخليجيتين يتجلّى على جبهات متعددة، من بينها السودان. ففي حين دعمت الإمارات قوات الدعم السريع في مواجهة القوات المسلحة السودانية في الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، كثّفت السعودية مؤخرًا جهودها الدبلوماسية للتأثير في مآلات الصراع. وخلال لقاءاته في واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حثّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) على الدفع نحو اتفاق سلام في السودان، كما أشار إلى احتمال الحاجة إلى توسيع نطاق العقوبات الأميركية على قوات الدعم السريع. وبعد ذلك بأسبوعين، أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات تحرّكه للسيطرة على حضرموت والمهرة، وهو تصعيد يرى بعض المراقبين أنه جاء ردًا إماراتيًا على التحركات السعودية في الملف السوداني.
وقد يكون اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 القشّة التي دفعت الرياض إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا بصورة مفاجئة تجاه الإمارات في اليمن. فالإمارات كانت أول دولة عربية تطبّع علاقاتها مع إسرائيل بموجب «اتفاقات أبراهام»، كما كانت الدولة الوحيدة في جامعة الدول العربية التي لم تصوّت ضد اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال». ويعكس البيان السعودي شديد اللهجة، الذي رفض تطبيع «كيانات موازية» تقوّض سيادة الدول ووحدتها، قلق الرياض من أن يشكّل هذا المسار سابقة قد تشجّع حركات انفصالية مماثلة، بما في ذلك على طول حدودها الجنوبية.
ومع تحرّك الحكومة اليمنية لاستعادة المهرة وحضرموت من المجلس الانتقالي الجنوبي، صعّدت السعودية تواصلها مع فاعلين رئيسيين في القرن الأفريقي، في ما يشير إلى مسعىً موازٍ لتعزيز موقعها الإقليمي في مواجهة الإمارات. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، عقدت القيادة السعودية اجتماعات منفصلة في الرياض مع الرئيس الإريتري (أسياس أفورقي) وقائد القوات المسلحة السودانية (عبد الفتاح البرهان)، وكلاهما وجّه انتقادات حادة للتدخل الإماراتي في القرن الأفريقي. وقد توسّع هذا الانفتاح لاحقًا ليشمل دبلوماسية إقليمية أوسع؛ ففي 5 يناير/كانون الثاني، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير (فيصل بن فرحان) بنظيره المصري لبحث تطورات اليمن والسودان والصومال، فيما أجرى ولي العهد السعودي محادثات مع الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان)، الذي أكد دعمه لوحدة أراضي كلٍّ من اليمن والصومال.
• التداعيات على اليمن والأمن الإقليمي
أدّى التنافس السعودي–الإماراتي في اليمن إلى إضعاف موقع الحكومة اليمنية وتعقيد الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب. وقد يسهم انسحاب الإمارات من البلاد في خفض حدة الاستقطاب والمساعدة على توحيد القوى السياسية والعسكرية في مواجهة الحوثيين. غير أن أي أثر لخفض التصعيد سيظل مرهونًا بقدرة الرياض على الانخراط دبلوماسيًا مع المجلس الانتقالي الجنوبي وسائر الفاعلين الجنوبيين، ودمجهم ضمن ترتيبات سياسية جامعة. وتمثل الدعوة إلى عقد حوار جنوبي–جنوبي في الرياض فرصة لدفع هذا المسار قدمًا ومعالجة المظالم الجنوبية المتراكمة التي أسهمت في زعزعة استقرار اليمن لعقود. وفي حال غياب ذلك، يواجه جنوب اليمن خطر الانزلاق إلى مزيد من الصراع، بما سيعمّق التفكك ويخلق فراغات أمنية قد يستغلها الحوثيون والجماعات المتطرفة على حدٍّ سواء.
وعلى نحو أعمق، لن يتحقق أي قدر من الاستقرار من دون أن تعمد السعودية إلى تعزيز الحكومة اليمنية عبر دعم سياسي واقتصادي مستدام، يهدف إلى استعادة الخدمات الأساسية وإنعاش الاقتصاد. فقد أسهم تآكُل سلطة الدولة وتدهور الأوضاع الإنسانية في تأجيج الاستقطاب السياسي والتوترات الاجتماعية، ما غذّى الديناميات التي انتهت إلى التصعيد الأخير.
وعلى نحو حاسم، لن تصمد أي ترتيبات سياسية من دون إعادة ضبط موازية للمنظومة الأمنية. إذ سيتعيّن على الرياض توفير دعم عسكري موثوق ومتّسق للحكومة اليمنية، من خلال تيسير توحيد القوى المسلحة المتشظية تحت سلسلة قيادة موحّدة لوزارة الدفاع، وضمان تزويد هذه القوات بالموارد اللازمة وتمكينها من العمل بتماسك وفعالية عملياتية. ومن دون بنية أمنية موحّدة قادرة على ممارسة ضغط فعلي على الحوثيين، ستظل الاتفاقات السياسية مجرّد رمزية، فيما يواصل الفاعلون المسلحون فرض وقائعهم على الأرض.
وعلى الصعيد الإقليمي، قد يُسهم التقارب الأخير بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان وقطر وإيران — وهي دول حافظت على قنوات اتصال مع الحوثيين، وقدّمت إحداها دعمًا مباشرًا لهم — في تهيئة ظروف مواتية للتقدّم نحو تسوية سياسية ضمن خارطة الطريق التي ترعاها الرياض. غير أنّ أي تسوية من هذا القبيل ستظل محفوفة بالمخاطر ما لم تُفرض قيود فعّالة على القدرات العسكرية للحوثيين وعلى تهديدهم المستمر لبقية أنحاء اليمن وللمنطقة الأوسع، إذ إن غياب هذه القيود قد يؤدي إلى مزيد من تمكين الجماعة وتقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
وفي المقابل، تلوح مؤشرات مبكرة على تشكّل محور إقليمي ناشئ في القرن الأفريقي، يجمع مصر وتركيا والسودان وإريتريا والصومال حول مصلحة مشتركة تتمثل في تعزيز سيادة الدول ومواجهة النزعات الانفصالية والديناميات القائمة على الوكلاء. ورغم أن هذا التكتل لا يرقى إلى مستوى تحالف رسمي، إلا أنه يعكس تقاربًا في الهواجس إزاء التفكك، والتدخلات الخارجية، وتآكُل سلطة الدولة المركزية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويبقى تحوّل هذا التقارب إلى تنسيق مستدام رهنًا بقدرة الرياض على ترجمة الإشارات الدبلوماسية إلى دعم سياسي واقتصادي وأمني متّسق للمؤسسات الوطنية. وفي حال غياب هذا الزخم العملي، فإن التنافس — ولا سيما بين السعودية والإمارات — قد يُفاقم النزاعات القائمة ويعمّق حالة عدم الاستقرار على امتداد ممر بحري استراتيجي يتّسم أصلًا بقدر عالٍ من الهشاشة.
الرابط أدناه لقراءة المادة من موقعها الأصلي: