تحليل: بين أجندة صنعاء وحسابات طهران.. من يقود التصعيد الحوثي؟
يمن فيوتشر - ذا فرايداي تايمز - أرباز رضا- ترجمة خاصة: الاربعاء, 04 نوفمبر, 2026 - 10:33 مساءً
تحليل: بين أجندة صنعاء وحسابات طهران.. من يقود التصعيد الحوثي؟

على مدى عدة أيام، يشنّ الحوثيون هجماتٍ منسّقة على المملكة العربية السعودية. وشملت الأهداف منشأة تابعة لشركة أرامكو السعودية في ينبع، ومطار الملك خالد الدولي في الرياض، ومطار أبها الدولي، ومطار الملك فهد في الدمام، إلى جانب عدد من منشآت الرادار والقواعد العسكرية. وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين (يحيى سريع)، إن الهجمات ستتواصل، واصفاً المواقع المستهدفة بأنها أهداف مشروعة، ومؤكداً أن هذه العمليات تأتي رداً على الغارات الجوية السعودية في اليمن.
ويأتي هذا التصعيد عقب أسابيع من المواجهات بين الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، ما وضع فعلياً حداً لهدنة غير رسمية استمرت أربع سنوات. ففي سبتمبر/أيلول، أعلن الحوثيون سيطرتهم على جزيرة بريم في مضيق باب المندب، وعدد من الجزر المجاورة على امتداد ساحل البحر الأحمر. وفي الشهر الجاري، أعلنت قوات مدعومة من السعودية استعادة مواقع استراتيجية في محيط المضيق، أعقبتها الهجمات التي استهدفت المطارات السعودية ومنشآت الطاقة. وفي حين دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية في منطقة أخرى من الإقليم مرحلة توقف هشّ ومصحوب بالتوتر، تتجه المواجهات في اليمن نحو مزيد من التصعيد.
ولفهم أسباب ذلك، من المهم التعرف إلى هوية الحوثيين. فهم يُعرفون رسمياً باسم «أنصار الله»، وهي حركة سياسية ودينية مسلحة نشأت في شمال اليمن، وتتبع المذهب الزيدي، أحد فروع الإسلام الشيعي. ويشكّل الزيديون نحو 35% من سكان اليمن.
أسّس (حسين الحوثي) الحركة في تسعينيات القرن الماضي، بهدف إحياء التقاليد الزيدية والاحتجاج على الفقر والفساد والنفوذ الديني السعودي. وبعد أن قتله الجيش اليمني عام 2004، تولّى شقيقه (عبد الملك الحوثي) قيادة الحركة، ولا يزال يتزعمها حتى اليوم.
وقد أتاح الاضطراب السياسي الذي أعقب ثورات الربيع العربي عام 2011 للحوثيين فرصة توسيع نفوذهم، إلى أن تمكنوا في سبتمبر/أيلول 2014 من السيطرة على العاصمة صنعاء. ويمارس الحوثيون اليوم سلطة فعلية على شمال اليمن، حيث يعيش ما بين 70 و80% من إجمالي السكان.

و يقول محللون إن الدعم العسكري الإيراني أحدث تحولاً في طبيعة الحوثيين، إذ تحولت الجماعة من حركة تمرد محلية إلى قوة إقليمية قادرة على تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر، واستهداف السعودية وإسرائيل بطائرات مُسيّرة وصواريخ بعيدة المدى. وينضوي الحوثيون ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، إلى جانب إيران وحزب الله. وتشير تقارير استخباراتية إلى أن طهران تزودهم بمكونات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، وأنظمة التوجيه، والتدريب العسكري. كما تفيد تقارير بأن عناصر من الحرس الثوري الإيراني عملوا داخل اليمن. وتذكر هذه التقارير أن إيران دأبت مؤخراً على إرسال مكونات يمكن تجميعها محلياً، بدلاً من تزويد الحوثيين بأسلحة مكتملة الصنع.
ومع ذلك، فإن وصف الحوثيين بأنهم مجرد وكلاء لإيران يُعد خطأً. إذ يرى الدكتور (مقتدر خان)، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بجامعة ديلاوير، أن الحوثيين فاعل مستقل يمتلك أجندته الخاصة، وإن كانت مصالحه تتقاطع مع مصالح إيران. ويذهب في تقييمه إلى أن حزب الله أقل استقلالية عن طهران مقارنة بالحوثيين.
ويرجع خان جذور المظالم الحوثية إلى عام 1962، حين انتهى حكم الإمامة الزيدية في اليمن، مشيراً إلى أن مشاعر الاستياء تفاقمت مع استمرار تدخل السعودية في الشؤون السياسية اليمنية، وسعيها إلى نشر الفكر السلفي في البلاد. ويلفت إلى أن الزيديين متقاربون من الناحية العقائدية مع أهل السنة، وأن الاختلافات في صلواتهم اليومية محدودة للغاية.
واستدلالاً على استقلالية الحوثيين عن إيران، يشير خان إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي تفاوضت عليه الجماعة مع الولايات المتحدة في سلطنة عُمان. فقد جرى التوصل إلى ذلك الاتفاق بشكلٍ منفصل، في وقتٍ كانت فيه الحرب مع السعودية مستمرة، فيما ظلت الخلافات بين إيران والولايات المتحدة دون تسوية.
وللعامل الجغرافي أهمية أيضاً. إذ يشير المحلل في الشؤون الإقليمية، (رشيد حسين سيد)، إلى أن الحدود المشتركة بين السعودية واليمن تمتد لنحو 900 ميل. ويقارن هذه الحدود بالحدود المفتوحة التي يسهل اختراقها بين باكستان وأفغانستان، معتبراً أن الرياض لم تتمكن قط من احتواء التهديدات المتسللة عبرها بصورة كاملة.
وبالنسبة إلى طهران، يمثل الحوثيون وسيلة منخفضة التكلفة لممارسة الضغط على مضيق باب المندب، وإرباك خصوم إقليميين مثل السعودية، والإبقاء على خياراتها مفتوحة في ظل تطورات الصراعات الأوسع نطاقاً. أما بالنسبة إلى الحوثيين، فإن اليمن يأتي في المقام الأول في حسابات هذه الحرب.
و تختلف دوافع المملكة العربية السعودية لخوض الحرب. فبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014، وإقصائهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، رأت الرياض أن جماعة مسلحة معادية باتت تفرض سيطرتها على دولة مجاورة لها، وتتمركز على حدودها الجنوبية. وعلى إثر ذلك، تدخلت عسكرياً عام 2015 بهدف إعادة تلك الحكومة إلى السلطة.
وكان كثيرون يتوقعون أن تحقق العملية العسكرية نتائج سريعة، غير أن الحرب امتدت لسنوات طويلة. ويقول سيد إن العديد من المراقبين، ومن بينهم باكستان، حذّروا منذ البداية من أن الحرب ستتحول إلى مستنقع يصعب الخروج منه. ويضيف أن محمد بن سلمان، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع، وكان لا يزال يعمل على ترسيخ سلطته، أراد أن يقدم نفسه بوصفه قائداً قوياً، وأن يؤدي دوراً حاسماً في مواجهة إيران.

و أحدثت الحرب الإقليمية الأوسع نطاقاً تحولاً في حسابات الرياض. فخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، استهدفت إيران منشآت ومصالح أمريكية في أنحاء المنطقة، وكانت السعودية من بين الدول التي طالتها تلك الهجمات. وعلى مدى سنوات طويلة، اعتمدت دول الخليج على واشنطن لتوفير الحماية الأمنية لها، غير أن تصوراً بات راسخاً مفاده أن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية للدفاع عن إسرائيل قبل الدفاع عن تلك الدول. وفي المقابل، تحولت القواعد العسكرية الأمريكية إلى مصدر تهديد للدول المضيفة، بدلاً من أن توفر لها الحماية. ورداً على ذلك، اتجهت السعودية إلى البحث عن بدائل أخرى.
وفي هذا السياق، وقّعت الرياض أولاً اتفاقية دفاع ثنائية مع باكستان، ثم وقّعت في أغسطس/آب 2026 «اتفاق مكة» مع كل من باكستان وتركيا. وبموجب هذا الاتفاق، يُعد أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث بمثابة هجوم على الدولتين الأخريين.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، وعقب تصاعد هجمات الحوثيين بالطائرات المُسيّرة والصواريخ، فعّلت الدول الثلاث الاتفاق رسمياً، وأعلنت باكستان وتركيا عزمهما نشر قوات عسكرية. ولا تزال طبيعة هذا الدعم وآليات تقديمه على أرض الواقع غير واضحة. ويرى خان أن البلدين سيكتفيان بدور دفاعي، ولن يشاركا في هجمات عسكرية على اليمن، وإن كان من الممكن أن يجدا نفسيهما منخرطين في المواجهة إذا واصل الحوثيون التوغل داخل الأراضي السعودية. كما نشرت بريطانيا مقاتلات «تايفون» للمساعدة في حماية المدن السعودية، وهو ما يعكس مدى السرعة التي تحولت بها المواجهة إلى صراع ذي أبعاد دولية.
وفي خضم كل ذلك، يغيب عن الأنظار حجم المعاناة التي يتحملها اليمنيون أنفسهم. فبين عامي 2015 و2022، أودت الحرب بحياة نحو 377 ألف شخص، قضى معظمهم جراء الجوع وعدم القدرة على الحصول على الخدمات الطبية في المستشفيات. ويحتاج نحو 20 مليون شخص اليوم إلى المساعدات الإنسانية. كما نزح ملايين اليمنيين من ديارهم، فيما أسفرت المواجهات الأخيرة عن نزوح نحو 100 ألف شخص إضافي. ولم يعد المدنيون السعوديون بمنأى عن الهجمات هم أيضاً. فهذا الصراع يرتبط بمواجهة إقليمية أوسع نطاقاً، ولا تلوح في الأفق، حتى الآن، أي مؤشرات على قرب انتهاء أيٍّ منهما.


التعليقات