اليمن: تعز على حافة حصار جديد.. الحوثيون يقطعون طرق الإمداد ومخاوف من كارثة إنسانية
يمن فيوتشر - أسوشيتد برس - فاطمة خالد- ترجمة خاصة الاربعاء, 14 أكتوبر, 2026 - 07:25 صباحاً
اليمن: تعز على حافة حصار جديد.. الحوثيون يقطعون طرق الإمداد ومخاوف من كارثة إنسانية

[ AP ]

 

مع ورود أنباء عن تقدم المتمردين الحوثيين باتجاه تعز، قررت (وئام عبد الله) وأسرتها أن الوقت قد حان لمغادرة ثالث أكبر مدن اليمن. فقد سبق لهم أن صمدوا خلال حصار فرضه الحوثيون على المدينة واستمر لسنوات في مرحلة سابقة من الحرب الأهلية في البلاد، ولم يرغبوا في خوض هذه التجربة القاسية مجدداً.
وقد تمكنوا من المغادرة في الوقت المناسب تماماً. فبعد فترة وجيزة من مغادرة عبد الله وزوجها وطفليهما الصغيرين، سيطر الحوثيون في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول على بلدة استراتيجية، ما أدى إلى تطويق تعز إلى حدٍّ كبير وقطع معظم طرق الإمداد القادمة من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
وقالت عبد الله لوكالة أسوشيتد برس، في اتصالٍ هاتفي من محافظة تقع إلى الجنوب من تعز: «نشعر وكأننا أموات بالفعل، فقد بلغ اليأس مداه في المدينة». وأضافت: «نشعر وكأننا ملعونون. الجميع يتآمر علينا، رغم أننا لا ننتمي إلى أي حزب ولا علاقة لنا بالسياسة».
ويسعى الحوثيون المدعومون من إيران إلى السيطرة على تعز، التي تمثل هدفاً استراتيجياً طالما سعوا إلى انتزاعه خلال الحرب الأهلية اليمنية المستمرة منذ 12 عاماً، في وقتٍ يصعّدون فيه أيضاً هجماتهم على السعودية، بما في ذلك سلسلة من الضربات الدامية التي استهدفت مطار العاصمة الرياض.
و يأتي هذا الهجوم عقب هجوم خاطف شنّه الحوثيون الشهر الماضي، تمكنوا خلاله من السيطرة على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، ما عزز قدرتهم على استهداف حركة الشحن النفطي السعودي، وألقى بمزيد من الاضطرابات على أسواق الطاقة العالمية، التي تشهد بالفعل حالة من التقلبات الحادة.
وأثار هذا التقدم مخاوف واسعة بين سكان تعز، الذين يزيد عددهم على مليون نسمة، ويعيشون في المناطق الجبلية الوعرة جنوب غربي اليمن. ففي أحد الأيام الأخيرة، احتشدت أعداد كبيرة من المواطنين أمام متاجر المواد الغذائية في وسط المدينة لشراء كميات من الطعام والاحتياجات الأساسية، خشية نفادها قريباً. كما أفاد سكان بأن مخزونات وقود الديزل وغاز الطهي آخذة في التناقص.
وقال (شايف الجابري)، مستشار حماية الطفل في المركز المدني للمناصرة والدعم، وهو منظمة محلية غير ربحية، إن بعض السكان بدأوا بجمع الورق المقوى والأخشاب لاستخدامها وقوداً للطهي، في حين أخذ التجار يرفعون أسعار المواد الغذائية والمياه.
وأضاف: «إذا استمر الحصار، فستنضب هذه المخزونات».
وتتردد أصداء الانفجارات الناجمة عن الاشتباكات بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة في الجبال المحيطة بالمدينة. كما طالت بعض الضربات المدينة نفسها، لتعيد إلى أذهان سكانها محنةً كانوا يأملون أن تكون قد أصبحت من الماضي.


 

• ظلت المدينة تحت الحصار لسنوات

تقع تعز في قلب المواجهات على خطوط القتال الأمامية للحرب الأهلية اليمنية منذ عام 2014، حين سيطر الحوثيون على شمال البلاد وأجزاء واسعة من غربها، بما في ذلك العاصمة صنعاء. وفي وقتٍ لاحق، دخلت السعودية الحرب على رأس تحالف يدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي اضطرت إلى الفرار جنوباً.
وتُعد تعز بوابة استراتيجية إلى جنوب اليمن، كما أنها واحدة من أهم المراكز التاريخية والثقافية في البلاد. فقد كانت عاصمة لعدد من الدول الإسلامية المتعاقبة، ومركزاً بارزاً للتعليم الديني. وتطل قلعة القاهرة، وهي حصن أثري ضخم يتجاوز عمره 800 عام، على المدينة من فوق أحد التلال. وإلى الجنوب، يرتفع جبل صَبِر، الذي يزيد ارتفاعه على 3,000 متر (9,800 قدم)، وتُشكّل المدرجات الزراعية ملامح منحدراته.
وعلى مدى جزءٍ كبير من سنوات الحرب، فرضت القوات الحوثية حصاراً على معظم أنحاء تعز، وأغلقت الطرق الرئيسية المؤدية إليها. وكانت القذائف تستهدف وسط المدينة بانتظام، فيما تكررت انقطاعات الكهرباء، وعانى السكان في سبيل الحصول على الغذاء. ولم يكن الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة متاحاً إلا عبر طرق جبلية فرعية شديدة الانحدار وكثيرة الالتواءات. وكان نقل الإمدادات إلى المدينة أو إيصال المرضى إلى المستشفيات في مدينة عدن الساحلية جنوباً يستغرق ساعات طويلة.
وقالت عبد الله إن تعز كانت أشبه بـ«غابة» في تلك الفترة، مضيفةً: «إذا لم يمت الناس بالقصف المدفعي، فإنهم كانوا يموتون بسبب الحصار، ويعانون سوء التغذية نتيجة نقص الغذاء». وأوضحت أنه بعد حلول الظلام، «كانت شوارع كثيرة تخلو من المارة وتبدو مخيفة».
وقد أسهمت الهدنة التي تم التوصل إليها عام 2022 في تخفيف حدة القتال في أنحاء اليمن، وبعثت بعض مظاهر الحياة مجدداً في تعز. وعاد كثيرون ممن اضطروا إلى النزوح، وأُعيد بناء المنازل. غير أن الأسعار ظلت مرتفعة، واستمر السكان في مواجهة صعوبات معيشية، بحسب عبد الله.
ومع ذلك، ظلت القوات الحوثية تسيطر على مناطق تقع شمال المدينة وشرقها وغربها، وكانت تفرض رسوماً جمركية على الإمدادات التي تمر عبر تلك المناطق.

 

• اشتباكات جديدة تبدد الهدوء

انتهت الهدنة في أغسطس/آب، عندما شنّ الحوثيون هجوماً جديداً. وفي الشهر الماضي، سيطروا على الساحل المطل على البحر الأحمر، واستولوا على مدينة المخا الساحلية وعدد من الجزر الاستراتيجية، قبل أن يشرعوا في التقدم نحو المناطق المحيطة بتعز.
وقالت عبد الله إن أسرتها كانت تخشى أن يكون الحصار الجديد أشد وطأة من سابقه، مشيرةً إلى أن أطفالها باتوا يخافون الخروج للعب في الخارج.
وأضافت: «لهذا السبب غادرنا. كان الوضع مروعاً، فلم يكن بإمكانك الحصول على الاحتياجات الأساسية، وكان هناك نقص في كل شيء. لم يعد هناك وقود ديزل لتشغيل مضخات المياه».
وأوضحت أنه أثناء فرار أسرتها من تعز، شاهدوا تعزيزات عسكرية تابعة للحكومة في طريقها إلى المدينة، وسمعوا دوي الانفجارات وأصوات إطلاق النار. وأضافت أنهم مرّوا بمدينة التربة، الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً (25 ميلاً) جنوب تعز، قبل أن يصلوا إلى محافظة لحج الخاضعة لسيطرة الحكومة.
وبعد أيام، سيطر الحوثيون على مدينة التربة، ما أدى إلى تطويق تعز و رقعة من الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة.

 

 

• السكان يستعدون للحصار فيما تحاول القوات الحكومية كسر الطوق الحوثي

إلى جانب الطرق الرئيسية المؤدية إلى خارج تعز، أُغلقت أيضاً بعض الطرق الجبلية البديلة التي استُخدمت في السابق، ما تسبب في «حالة من الارتباك والهلع»، بحسب (عبد الرحمن القليعة)، مدير فرع وزارة الصناعة والتجارة في تعز. ودعا السكان الذين احتشدوا أمام المتاجر إلى الاقتصار على شراء احتياجاتهم الفورية فقط، تفادياً لحدوث نقص في السلع.
وتخوض القوات الموالية للحكومة اشتباكات مع الحوثيين في المناطق الجبلية جنوب غربي تعز، في محاولة لكسر سيطرة المتمردين على تلك المناطق.
وقال (أحمد عبد الجابر) إن القصف بالقرب من منزله في إحدى القرى الجبلية أدى إلى إصابة حفيده البالغ من العمر سبع سنوات في بطنه، مضيفاً أن الطفل نُقل إلى أحد مستشفيات تعز لتلقي العلاج.
وأوضح عبد الجابر أنه نقل أفراد أسرته التسعة إلى قرية أخرى أبعد عن مناطق الاشتباكات. وقال لوكالة أسوشيتد برس عبر الهاتف: «إذا قررنا أن المكان لم يعد آمناً، فسنفرّ إلى منطقة أخرى».
و يتزايد أعداد الجنود التابعين للقوات الحكومية والنساء والأطفال الذين أُصيبوا خلال الاشتباكات، ويجري نقلهم إلى المستشفيات في تعز لتلقي العلاج.
وقال الدكتور (فهد النظاري)، من مكتب الصحة بمحافظة تعز: «قد تنفد إمدادات الديزل في المستشفيات في أي لحظة». وأضاف أن إيصال الإمدادات الطبية أصبح أكثر صعوبة، مؤكداً: «إنها كارثة كبرى».
و من جانبه، أعرب شايف الجابري، مستشار حماية الطفل في تعز، عن مخاوفه من احتمال تفاقم حدة القتال.
وقال الجابري: «ها أنا أجلس في مقهى، وأنا أعلم أن قذيفة قد تسقط عليّ في أي لحظة، أو أن مقذوفاً متفجراً قد يأتي من أي اتجاه، ليصيب أي منزل أو أي شارع».


التعليقات