تحليل: تقدم الحوثيين نحو تعز يضع استراتيجية احتوائهم أمام اختبار جديد
يمن فيوتشر - Ynet news - آري هايستاين - ترجمة خاصةً: الإثنين, 05 أكتوبر, 2026 - 09:12 صباحاً
تحليل: تقدم الحوثيين نحو تعز يضع استراتيجية احتوائهم أمام اختبار جديد

تحوّل الحوثيون من حركة شبابية إلى جماعة إرهابية، ثم إلى كيان يمارس وظائف الدولة، وشنّوا حملة متعددة المراحل للقضاء على التهديدات المحلية والإقليمية التي تواجه نظامهم. وبحسب روايتهم، بدأ هذا التصعيد في يوليو/تموز باعتباره تحركًا محدودًا للتصدي للسعودية و«رفع الحصار» الذي يقولون إنهم يخضعون له. لكنه سرعان ما اتسع نطاقه ليصبح حرب استنزاف أوسع ضد المملكة والقوات اليمنية التي تدعمها.
وحققت المرحلة الأولى مكاسب ميدانية كبيرة في مواجهة القوات المناهضة للحوثيين في اليمن، ولا سيما على امتداد الساحل الغربي المطل على باب المندب، في مناطق كانت تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية التابعة لطارق صالح. ومهّد الحوثيون للهجوم بقصفٍ دقيق، ثم جمعوا بين التضليل الإعلامي والهجمات بأعداد كبيرة واستغلال التوترات التي تشوب العلاقات بين الفصائل المناهضة للحوثيين. وأسفر ذلك عن تراجع قوات صالح وترسيخ الحوثيين وجودهم في مناطق استراتيجية، بما في ذلك عدد من جزر البحر الأحمر، ما يمنحهم قدرة أكبر على التحكم في مضيق باب المندب من خلال استهداف حركة الملاحة البحرية.
وربما كانت السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية الخانقة في العالم هدفًا قائمًا بذاته. لكن الحوثيين لم يتوقفوا عند هذا الحد. ووفقًا لتقارير من الميدان، فإنهم يتقدمون الآن نحو تعز، ثالث أكبر مدن اليمن من حيث عدد السكان. وهناك ثلاثة تفسيرات محتملة قد تفسر دوافع الجماعة وراء ذلك:

أولًا: الزخم. بعد الانتصارات الخاطفة التي حققوها على بعض أكثر القوات اليمنية احترامًا وأفضلها تجهيزًا، تحت قيادة (طارق صالح)، يعتقد الحوثيون أن بإمكانهم استغلال بطء خصومهم في الاستجابة. وبمجرد أن يرسخوا وقائع ميدانية جديدة من خلال الاستيلاء على مناطق جديدة والتحصّن فيها، سيكون من الصعب التراجع عن تلك المكاسب، كما ستمنح الجماعة عمقًا استراتيجيًا أكبر على امتداد المناطق الساحلية الحيوية.

ثانيًا: السكان. قد يتعامل الحوثيون مع حياة البشر باعتبارها أمرًا زهيدًا، لكنهم يدركون قيمة حكم أعداد كبيرة من السكان. ويأتي معظم إيراداتهم من فرض الضرائب على السكان الخاضعين لسيطرتهم، من خلال الرسوم الجمركية على الواردات وبيع السلع والخدمات الأساسية. وبعد عقد من حكم الحوثيين، يُرجح أن تكون موارد هذا السكان قد استُنزفت إلى حدٍّ كبير. ومن شأن السيطرة على مركز سكاني جديد أن توفر للنظام موردًا بشريًا واقتصاديًا جديدًا يمكنه استخراجه وتوزيعه على الموالين، بما يعزز قدرة النظام وآلته الحربية.
كما أن السكان يعنيون قوة بشرية. ويُظهر استخدام الجماعة للهجمات بالموجات البشرية، بما في ذلك دفع طلاب المدارس الثانوية غير المدركين لطبيعة الخطر إلى الخطوط الأمامية ليكونوا بمثابة وقود للمعركة، أنها تعتزم تحقيق النصر من خلال العدد الهائل من المقاتلين الذين تستطيع حشدهم ونشرهم. وتبلغ نسبة السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مقارنة بالمناطق الخارجة عن سيطرتهم حاليًا نحو 3 إلى 1، وهي معادلة تصب في مصلحة الجماعة المصنفة إرهابية. وإذا سقطت تعز، فستميل موازين القوى بدرجة أكبر لصالح الحوثيين.

أما التفسير الثالث، فيتجاوز حدود اليمن إلى الطريقة التي ينظر بها الحوثيون إلى خصمهم السعودي. فلم ترضخ الرياض هذه المرة لتهديدات الحوثيين أو محاولاتهم ابتزازها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتقادها بأن لديها قوة موازنة تتمثل في التحالف المناهض للحوثيين الذي تدعمه. ومن خلال التقدم نحو تعز، قد يسعى الحوثيون إلى إثبات أن هذا التحالف غير فعال وغير قابل للاستمرار. وستكون الرسالة الموجهة إلى الرياض هي أنه لم يعد أمامها خيار سوى نشر قوات برية لاحتواء الحوثيين، ناهيك عن هزيمتهم.
ومن خلال التقدم نحو تعز، لا يخوض الحوثيون مواجهة مباشرة مع السعودية، لكنهم يسعون إلى تقويض النفوذ السعودي. وفي نهاية المطاف، قد يكون هدفهم تحويل التفوق الميداني إلى مكاسب دبلوماسية واقتصادية تنتزعها الجماعة من الرياض.
وقد يتمكن الحوثيون، في الوقت الراهن، من التحكم في مستوى التصعيد، لكن ذلك لا يضمن نجاح رهاناتهم. فقد تكون الحملة مكلفة للنظام، إذ إن كل قتيل يسقط ضمن موجات الهجوم البشري التي يدفع بها إلى الخطوط الأمامية يعني مقاتلًا يُفقد، أو أسرة ثكلى ستتعرض الجماعة لضغوط من أجل دعمها.
وقد تكون تعز نفسها العقبة الأكبر؛ فالمدينة تُعد معقلًا لحزب الإصلاح الإسلامي السني، ومن المرجح أن تبدي مقاومة شرسة، وإن كانت غير منظمة، في مواجهة الميليشيا الزيدية الشيعية. وقد ينظر الهاشميون وأبناء القبائل الزيدية في شمال اليمن، من محافظات مثل صعدة، إلى عهد الإمامة بحنين، وهو العهد الذي تستلهم منه طموحات الحوثيين، لكن سكان تعز يتذكرون نظامًا دينيًا قمعيًا حرمهم من المشاركة في السلطة.
وتزخر وسائل التواصل الاجتماعي بالفعل بمنشورات لسكان المدينة يدعون فيها إلى التعبئة للتصدي للهجوم الحوثي.

لم تُكتب بعد الكلمة الأخيرة بشأن الهجوم الحوثي، ولا يزال بالإمكان اتخاذ خطوات كثيرة لتحويله إلى خطأ استراتيجي. وينبغي أن يتمثل الهدف في إبطاء التقدم أولًا، ثم عكس مساره، بما يجبر الجماعة على استنزاف مواردها وقوتها البشرية، ويعمّق الضغوط التي تواجهها أصلًا. ويعني ذلك استهداف خطوط إمداد الحوثيين من الجو، فمن المرجح أنها ممتدة على مسافات واسعة وتعتمد على عدد محدود من الطرق الرئيسية، كما أن الوحدات الموجودة على خطوط المواجهة، إذا قُطعت عنها الإمدادات، تفقد معنوياتها وتعجز عن مواصلة العمل. وقد تعلم الحوثيون كيفية العمل في ظل التفوق الجوي لخصومهم، لكنهم ليسوا بمنأى عن الضغوط اللوجستية.
ويعني ذلك أيضًا توجيه الدعم إلى القوات المناهضة للحوثيين عبر السعودية، التي يتعين عليها بدورها فرض هيكل قيادة موحد وفعال. وإذا كان التاريخ يحمل أي درس، فهو أن رعاة متنافسين، يدعم كل منهم ميليشياته الخاصة بدافع اعتبارات آنية، يمهّدون لتحالف منقسم ومختل الأداء لسنوات طويلة مقبلة.
لكن لا يمكن لأي استراتيجية مناهضة للحوثيين أن تنجح على المدى الطويل من دون تغيير في طريقة التفكير. و سيواصل الحوثيون تحقيق المكاسب ما داموا يتبنون أهدافًا قصوى، في حين يكتفي خصومهم بأهداف محدودة. لذا يجب أن يكون الهدف هزيمتهم، لا احتواءهم.


التعليقات