مصادر: تراجع الدور الأمني والعسكري لمصر وراء رفض السعودية انضمامها إلى "اتفاق مكة"
يمن فيوتشر - ميدل إيست آي - فيصل عيدروس- ترجمة خاصة الاربعاء, 12 أغسطس, 2026 - 09:05 صباحاً
مصادر: تراجع الدور الأمني والعسكري لمصر وراء رفض السعودية انضمامها إلى

 

أفادت ثلاثة مصادر سعودية مطلعة على المناقشات، لموقع «ميدل إيست آي»، بأن السعودية عارضت انضمام مصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وُقّع مع تركيا وباكستان الأسبوع الماضي، رغم مساعي أنقرة لدفع القاهرة إلى الانضمام إلى الاتفاق.

وقال أحد المصادر، وهو مستشار سابق رفيع المستوى لدى القيادة السعودية، إن الرياض لم تكن ترغب في انضمام مصر إلى الاتفاق «في الوقت الراهن على الأقل».

إلا أن المصادر الثلاثة، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هوياتها نظراً إلى حساسية القضية، قالت إن الموقف السعودي نابع من تزايد حالة الاستياء تجاه حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومن اعتقاد سائد في الرياض بأن مصر لم تعد تقدم القيمة الاستراتيجية أو العسكرية التي كانت تقدمها في السابق.

ويلزم اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وُقّع يوم الجمعة في مدينة مكة المكرمة، السعودية وتركيا وباكستان باعتبار أي هجوم مسلح تتعرض له أي دولة من الدول الثلاث بمثابة هجوم على الدول الثلاث جميعاً.

ووصف مسؤولون سعوديون الاتفاق بأنه آلية لتعزيز قدرات الدفاع المشترك، رغم أن بنوده لا توضح بصورة كافية الآليات التنفيذية، أو الحالات المحددة التي تستدعي تفعيل الاتفاق، أو كيفية تنفيذ المساعدة العسكرية المشتركة فعلياً في حال اندلاع أزمة.

وبحسب المصادر، جاء القرار السعودي بمعارضة انضمام مصر إلى الاتفاق على خلفية توترات متراكمة بين الرياض والقاهرة.

وقالت المصادر إن السعودية كانت أكبر داعم مالي لحكومة السيسي بعد استيلائه على السلطة في انقلاب عام 2013، إذ أنفقت في البداية نحو 25 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري المتعثر، إلا أن الرياض باتت مستاءة مما تعتبره غياباً للدعم المتبادل في القضايا الأمنية الرئيسية.

وأشار أحد المصادر إلى الدور «المحدود وغير الموثوق» الذي تؤديه مصر في حرب السعودية الطويلة مع جماعة الحوثيين في اليمن، فضلاً عن موقفها المخيب للآمال خلال الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران.

كما أشارت المصادر إلى تزايد القلق في الرياض إزاء «تبعية» القاهرة للإمارات العربية المتحدة، ولا سيما في أعقاب الخلاف بين الرياض وأبوظبي بشأن دعم الأخيرة لجماعات انفصالية في جنوب اليمن، والتي «تهدد الأمن والمصالح الوطنية للسعودية».

وأشار مصدران إلى أنه رغم إرسال مصر طائرات مقاتلة إلى أبوظبي رداً على الهجمات الإيرانية، وحرص السيسي على زيارة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد أكثر من مرة خلال الحرب، فإن القاهرة لم تتخذ خطوات مماثلة تجاه السعودية. وخلصا إلى أن الرياض باتت تشعر بقلق متزايد إزاء اصطفاف السيسي إلى جانب أبوظبي.

وقالت المصادر إن ذلك يعود إلى رؤية الرياض أن عدداً من السياسات الإماراتية يتعارض مع المصالح الاستراتيجية لمصر نفسها. ومن بين هذه السياسات انخراط الإمارات في أرض الصومال، وعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، ودعمها لإثيوبيا خلال الخلافات بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير، فضلاً عن دعمها قوات الدعم السريع في السودان.

وقال أحد المصادر إن استمرار القاهرة في الانخراط مع أبوظبي عمّق الشكوك في الرياض بشأن مدى موثوقية مصر بوصفها شريكاً استراتيجياً.

ووصف مصدر آخر العلاقة في عهد السيسي بأنها باتت على نحو متزايد علاقة ترى فيها السعودية أن مصر «تعتمد» على الدعم الخليجي، بدلاً من أن تكون شريكاً موثوقاً.

وقال المستشار السابق رفيع المستوى إن مصر اعتمدت تاريخياً على المملكة والولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى، في حين لم تقدم في المقابل سوى القليل.

وقال المستشار: «لطالما كانت مصر دولة تعتمد علينا وعلى الولايات المتحدة، وهي لا تقدم شيئاً في المقابل؛ إنها تأخذ وتأخذ من دون أن تقدم شيئاً في المقابل».


 

تركيا أرادت انضمام مصر إلى الاتفاق

قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يوم السبت إن القاهرة تُعد «شريكاً طبيعياً» لأنقرة، وإنه لا يوجد ما يمنعها من أن تصبح في نهاية المطاف جزءاً من التحالف، بمجرد حل المسائل الفنية العالقة.

وفي وقت لاحق، أفادت عدة مصادر تركية موقع «ميدل إيست آي» بأن أنقرة بذلت جهوداً كبيرة لإدراج مصر في الاتفاق، وقدمت رسمياً مقترحاً لمشاركتها.

إلا أنه، عندما اتضح أن القاهرة ليست مستعدة للانضمام، قررت الدول الأخرى المضي قدماً من دونها، وفقاً للمصادر التركية.

غير أن المصادر السعودية رفضت ما أُثير من أن مصر نفسها هي التي رفضت الاتفاق.

ووصف المستشار السابق رفيع المستوى، الذي لا يزال مقرباً من دوائر صنع القرار في البلاد، القول إن القاهرة قررت عدم المشاركة بأنه «مثير للسخرية».

وقال المستشار: «الحقيقة أن السيسي كان سيحرص على الانضمام حتى يجني المكاسب المالية من هذا الاتفاق، كما يفعل عادةً».

وأضاف أن صانعي القرار في السعودية لديهم مخاوف جدية بشأن ولاء السيسي، ولا يعتقدون أنه يمكن الوثوق به بالقدر نفسه الذي يمكن به الوثوق بالقيادتين التركية والباكستانية.

وقال أيضاً: «ندرك أن الأتراك أرادوا إدراج مصر، وندرك سبب ذلك. ربما في المستقبل، إذا رأينا حدوث تغيير أو تحسن».

لكن المصادر السعودية قالت إن تركيا وباكستان تقدمان للتحالف، على الصعيد العسكري، أكثر مما تستطيع مصر تقديمه.

فتركيا تمتلك صناعة دفاعية متطورة بصورة متزايدة، بينما تتمتع باكستان بقطاع راسخ لتصنيع الأسلحة وقوات مسلحة كبيرة عاملة.

في المقابل، قالت المصادر إن قدرات التصنيع العسكري في مصر تتركز بدرجة كبيرة على الإنتاج المدني، ولا توفر المستوى ذاته من التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة.

وقال أحد المصادر: «ينبغي أن يتمثل دور الجيش في الاستثمار في قدراته الخاصة بالتصنيع العسكري، بدلاً من الانشغال بالاستثمار في مصانع الأغذية وإدارتها».

كما شككت المصادر في مدى جاهزية القوات المسلحة المصرية للقتال وفاعليتها.

وقالت المصادر إن القرار، بالتالي، لم يكن متعلقاً فقط بالاصطفاف السياسي لمصر، بل أيضاً بما تعتقد الرياض أن القاهرة تستطيع أن تقدمه بصورة ملموسة في إطار منظومة أمن إقليمية جديدة.


 

تراجع الدور المصري

يأتي التقييم السعودي في خضم نقاش أوسع بشأن تراجع دور مصر في المنطقة.

وأفادت مجلة «ذي إيكونوميست» يوم الاثنين بأن مصر، التي لطالما قدمت نفسها بوصفها إحدى ركائز النظام الإقليمي، أصبحت «مُهمَّشة بوصفها وسيطاً وقوة عسكرية».

وعلى مدى عقود، كانت مصر شريكاً عسكرياً محورياً لدول الخليج، بما في ذلك خلال التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لطرد القوات العراقية من الكويت عام 1991. وعلى النقيض من ذلك، أشارت المصادر إلى أن الكويت باتت الآن أكثر ميلاً إلى الانضمام إلى اتفاق مكة، بدلاً من الاعتماد على التحالف العسكري الذي كان قائماً بينها وبين مصر لحمايتها في السابق.

لكن المصادر السعودية جادلت بأن مصر، في عهد السيسي، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الدعم المالي الخارجي، في حين تقدم في المقابل دعماً أقل في القضايا الرئيسية المتعلقة بالأمن الإقليمي.

وقال المستشار السابق إن المملكة ترى أن علاقاتها مع أنقرة، رغم ما شابها من اضطرابات خلال السنوات الأخيرة، أصبحت أكثر موثوقية من علاقتها بالقاهرة.

وقال المستشار: «لدى صانعي القرار في القيادة مخاوف جدية بشأن ولاء السيسي».

وأضاف: «فهو يُنظر إليه ببساطة على أنه شخص لا يمكن الوثوق به، ولهم ما يبرر ذلك».

وقارن هذا الموقف بعلاقات السعودية مع «الإخوة الباكستانيين والأتراك».

كما عكست وسائل التواصل الاجتماعي السعودية معارضةً لانضمام مصر إلى الاتفاق، إذ نشرت عدة حسابات مؤيدة للقيادة السعودية محتوى يوحي بأن القاهرة لم تكن مرغوبة في الاتفاق.

وردد هذا الموقف أيضاً حساب مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل اسم @Columbuos، ويُعتقد على نطاق واسع أنه يعود إلى سعود القحطاني، أحد كبار مساعدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سابقاً، والذي لا يزال يُنظر إليه على أنه مستشار مقرب من ولي العهد.

وقال: «باب التحالف ليس مفتوحاً أمام من يريدون فقط معالجة مشكلاتهم والاستفادة منه، من دون المشاركة في المهمة الأمنية ذاتها للمنطقة. ومن يريد الانضمام، فعليه أن يتشارك المصالح المشتركة للدول الثلاث».

وأضاف: «لقد انتهى عصر الاستحقاقات الوهمية، والإحسان، والعطاء من طرف واحد، وانتهى زمن “مصيري وحدي”، ليحل محله طور “مصيرنا واحد”».

وعلى الرغم من ذلك، شددت المصادر الثلاثة على أن الاتفاق لا يغلق بالضرورة الباب أمام انضمام مصر في المستقبل، إلا أن موقف الرياض يتمثل في إبقاء القاهرة خارج الاتفاق في الوقت الراهن.


التعليقات