تحليل: حرب إيران تكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة الصين
يمن فيوتشر - ريسبونسبل ستيت كرافت - جينيفر كافاناغ- ترجمة خاصة : الجمعة, 01 مايو, 2026 - 04:12 مساءً
تحليل: حرب إيران تكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة الصين

في هذه الأيام، يتصدر موضوع مخزونات الصواريخ الأمريكية النقاش في واشنطن. فبعد أن كان هذا الملف حكرًا على دوائر ضيقة من الخبراء، أصبح يتصدر الصفحات الأولى للصحف الكبرى، ويُناقش يوميًا في البرامج التلفزيونية والإذاعية.

وليس ذلك من فراغ. فبعد الحرب في إيران، التي استنزفت بشكلٍ كبير احتياطيات الولايات المتحدة من الصواريخ، بما في ذلك أكثر منظوماتها الدفاعية والهجومية تطورًا، تصاعدت التساؤلات بشأن قدرة الجيش الأمريكي على الوفاء بمتطلبات الدفاع عن المصالح الأمريكية، لا سيما على المدى القريب.

غير أن الصورة تبدو أكثر قتامة؛ إذ لم تقتصر تداعيات الأربعين يومًا الأولى من القتال مع إيران على تفاقم النقص في الذخائر الأمريكية عالية الكلفة والدقة، بل كشفت أيضًا أن الولايات المتحدة ليست مهيأة لخوض حربٍ مع قوة كبرى.

ورغم أن الجيش الأمريكي حقق بعض النجاحات التكتيكية المحدودة داخل إيران، فإن مجريات الصراع ونتائجه قوضت بشكلٍ واضح مرتكزات أساسية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وأثارت شكوكًا جدية حول جدوى خطط الطوارئ الأمريكية، لا سيما فيما يتعلق بأي حرب مستقبلية في آسيا. وفي المرحلة المقبلة، ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى إعادة معايرة التزاماتها بما يتماشى مع واقع الحروب الحديثة والقيود المتزايدة على قدرتها العسكرية.

والحرب ضد إيران وأي حرب محتملة في آسيا (كأن تكون حول تايوان على سبيل المثال) ستختلفان في جوانب عديدة، لا سيما أن الأولى ذات طابع هجومي، بينما يُرجّح أن تكون الثانية ذات طبيعة دفاعية. ومع ذلك، ثمة أوجه تشابه لافتة بينهما.

أولًا، كما هو الحال في الشرق الأوسط، ستعتمد الولايات المتحدة في آسيا بدرجةٍ كبيرة على قواعدها الأمامية المنتشرة عبر المنطقة لإطلاق الطائرات وتوفير القدرات اللوجستية ودعم العمليات القتالية. كما ستعتمد على أنظمة الدفاع الجوي الأرضية، وشبكة من الرادارات وأجهزة الاستشعار، لحماية تلك القواعد وتوجيه عمليات الاستهداف الصاروخي الأمريكية.

ثانيًا، في آسيا كما في إيران، سيعتمد الجيش الأمريكي على المقاتلات والقاذفات والسفن الحربية، مستخدمًا أسلحة بعيدة المدى بالتوازي مع صواريخ أرضية، لاستهداف منظومات الدفاع الجوي للخصم وراداراته ومنصات إطلاق الصواريخ. كما سيستهدف الطائرات والسفن المعادية، بما في ذلك تلك الداعمة لعمليات إنزال برمائي أو الساعية إلى فرض حصار.

ثالثًا، في حال نشوب حرب حول تايوان، تخطط الولايات المتحدة لاستخدام الطائرات المُسيّرة لخلق ما يُوصف بـ«جحيم قتالي» للقوات الصينية، بما يعيق قدرتها على التقدم بحرًا وجوًا وبرًا. وقد لعبت الطائرات المُسيّرة أيضًا دورًا بارزًا في الحرب مع إيران، حيث دفع الجيش الأمريكي بأنظمة جديدة إلى ساحة القتال.

غير أن الحرب في إيران، التي خيضت ضد خصم أضعف نسبيًا، تُشكك في جدوى هذه الركائز الأساسية للاستراتيجية العسكرية الأمريكية في حروب القوى الكبرى المستقبلية، سواء كانت ضد الصين أو غيرها.

ولعل الأهم من ذلك أن حرب إيران تُثير شكوكًا عميقة حول فاعلية واستدامة القواعد الأمامية الأمريكية في نزاع واسع النطاق. فبعد أن شنت الولايات المتحدة هجومها على إيران في 28 فبراير/شباط، لم تعد القواعد الأمريكية في المنطقة مصدر قوة، بل تحولت إلى نقاط ضعف كبيرة وأهداف سهلة. فمنذ الأيام الأولى للحرب، تعرضت هذه القواعد لهجمات مكثفة بالطائرات المُسيّرة والصواريخ، بل وأفادت تقارير بأنها تعرضت أيضًا لقصف من مقاتلات إيرانية.

وكان حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط هائلًا. فقد دُمّرت البنية التحتية، وأنظمة الدفاع الجوي، وأجهزة الاستشعار والرادارات الأرضية. كما تضررت طائرات أمريكية باهظة الكلفة، بما في ذلك طائرات التزوّد بالوقود جوًا وطائرات الإنذار المبكر (أواكس). وفي الواقع، أصبحت القواعد في الشرق الأوسط عرضة للهجمات المعادية إلى درجة أن الأفراد العسكريين الأمريكيين لم يعودوا قادرين على العمل انطلاقًا منها، واضطروا بدلًا من ذلك إلى مزاولة مهامهم من مواقع قريبة أو حتى من فنادق.

وإذا كانت القواعد في الشرق الأوسط غير قابلة للدفاع، فلا يمكن للبنتاغون الافتراض بأن القواعد المنتشرة عبر المحيط الهادئ ستكون كذلك. بل إن كثيرًا منها، إن لم يكن معظمها، قد يصبح غير قابل للاستخدام إلى حدٍّ كبير، لا سيما خلال الأيام الحاسمة الأولى لأي حرب.

ومن النتائج الرئيسية الأخرى في الشرق الأوسط، التي ينبغي أن تدق ناقوس الخطر لدى القيادات العليا في البنتاغون، قدرة إيران على إلحاق الضرر وتعطيل أجهزة الاستشعار والرادارات التي تدعم شبكة الدفاع الجوي الإقليمية الأمريكية، وهو إنجاز عسكري إيراني ترك القواعد الأمريكية مكشوفة.

لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على أنظمة الدفاع الجوي الأرضية لحماية أفرادها وبنيتها التحتية وأصولها من صواريخ الخصوم. غير أن إيران تمكنت من تعطيل هذه الأنظمة بفعالية، ما يشير إلى أن هذا النهج في حماية القوات غير كافٍ إطلاقًا في عالم «الضربات الدقيقة واسعة النطاق»، حيث بات حتى الخصوم الأضعف يمتلكون قدرات استهداف متقدمة. وإذا كانت شبكة الدفاع الجوي الأرضية الأمريكية لم تصمد أمام إيران، فهي بالتأكيد غير ملائمة لحرب مع الصين.

كما تُثير تجربة الولايات المتحدة في مواجهة إيران تساؤلات حول خططها للاعتماد أساسًا على الأسلحة بعيدة المدى لضرب السفن الصينية والأهداف العسكرية في أي سيناريو محتمل بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. فعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجية تطورت ردًا على قدرات الصين في منع الوصول/منع المنطقة، التي تجعل العمل قرب سواحلها أمرًا شبه مستحيل، فإن الحرب في إيران تشير إلى أن نهج الضربات بعيدة المدى قد يكون محدود الفاعلية فيما يمكنه تحقيقه.

وعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي نجح في تدمير جزء كبير من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، فإن التقارير تشير إلى أنه لم يتمكن سوى من القضاء على نحو 50% فقط من صواريخ إيران ومنصات إطلاقها، ونسبة أقل من ذلك بكثير من قدراتها على إنتاج الطائرات المُسيّرة. وفي الواقع، ورغم أن وتيرة الإطلاق الإيرانية تراجعت بشكلٍ ملحوظ بعد الأيام الأولى من الحرب، لم تتمكن الولايات المتحدة في أي وقت من كبح إطلاق الصواريخ الإيرانية بشكلٍ كامل، أو منع طهران من شن هجماتٍ بالطائرات المُسيّرة ضد أهداف أمريكية وخليجية. ومن المرجح أن تواجه القوات الأمريكية صعوبات أكبر بكثير في أي حملة تهدف إلى تعطيل قدرات الصين الصاروخية والمُسيّرة، نظرًا لتقدم دفاعاتها الجوية واتساع ترسانتها الصاروخية.

وعلاوة على ذلك، في مثل هذه البيئة القتالية المتنازع عليها، تبدو أهداف مثل تحقيق التفوق الجوي والسيطرة البحرية بعيدة المنال إلى حدٍّ كبير، حتى بالنسبة للولايات المتحدة. فمع أن الجيش الأمريكي تمكن في نهاية المطاف من تحقيق قدر من الهيمنة الجوية فوق إيران، فإن ذلك لم يُلغِ المخاطر التي تواجه الطائرات الأمريكية. أما القيود المفروضة على القوة البحرية الأمريكية فكانت أشد اتساعًا؛ إذ اضطرت السفن الحربية الأمريكية إلى العمل على مسافة بعيدة من السواحل الإيرانية بفعل تهديدات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، كما ظلت قدرة البحرية الأمريكية على فرض السيطرة على المياه قبالة السواحل الإيرانية محدودة. وقد سمح الحصار الأمريكي بمرور عدد من السفن الإيرانية لا يقل عن تلك التي تمكن من اعتراضها أو تحويل مسارها.

وفي حال اندلاع حرب في آسيا، ستواجه السفن الحربية الأمريكية تحديات أكبر. ففي أسوأ السيناريوهات، قد تُجبر حاملات الطائرات والمدمرات على العمل من وراء «سلسلة الجزر الثانية»، ما يقلص من فعاليتها في الدفاع عن تايوان أو في فرض حصار على الموانئ الصينية.

أخيرًا، تبرز مسألة الطائرات المُسيّرة. فقد امتلكت إيران تفوقًا واضحًا في هذا المجال، سواء في الجو أو تحت سطح البحر. ولا تزال الولايات المتحدة بعيدة عن بلوغ مستوى تنافسي في ميدان الطائرات المُسيّرة، فضلًا عن كونها غير مهيأة لإنشاء ما يُوصف بـ«بيئة قتالية خانقة» ضد الصين، التي تُعد من الدول الرائدة في هذه الصناعة.

وخلاصة القول، إن الحرب مع إيران سلطت الضوء على مواطن الخلل والضعف في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، سواء بصورة عامة أو على وجه الخصوص فيما يتعلق بسيناريوهات المواجهة في آسيا. فقد افترضت الولايات المتحدة لعقود أن قواعدها الأمامية قابلة للدفاع، وأن أدوات إسقاط القوة —مثل القاذفات وحاملات الطائرات والمقاتلات— ستمكنها من حسم المواجهات العسكرية حتى في مسارح بعيدة عن أراضيها.

كما افترضت قدرتها على فرض الهيمنة الجوية والبحرية، وحماية أصولها على الأرض، حتى في مناطق قريبة من أراضي الخصوم.

وإن كانت هذه الافتراضات صحيحة في وقتٍ ما، فإنها لم تعد كذلك اليوم. صحيح أن نقص الذخائر يمكن معالجته على المدى المتوسط بالمال والوقت، لكن ذلك لا يحل هذه الاختلالات الاستراتيجية الأعمق، والتي تبدو في كثير من جوانبها عصيّة على المعالجة. ففي عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، حيث أصبح الوصول إلى القوة العسكرية أكثر انتشارًا، وتقلّص الفارق الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة في السابق، ستصبح قدرتها على تحقيق أهدافها عبر القوة العسكرية أكثر محدودية. ومن ثم، سيتعين على الأهداف والطموحات الاستراتيجية الأمريكية أن تتكيف تبعًا لذلك.


التعليقات