في مانيلا وفي الأيام الأولى للحرب على إيران، أعلن وزير العمال المهاجرين الفلبيني، هانز ليو كاكداك، أن الحكومة تراقب الوضع في المنطقة عن كثب، وأن خطط الطوارئ جاهزة إذا استدعى الأمر إجلاء مواطنين يعملون هناك.
بالنسبة للفلبين، التي يعمل مئات الآلاف من مواطنيها في دول الخليج، فإن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط قد يمثل تهديدا يمس حياة ملايين الأسر التي تعتمد على تحويلات العاملين في الخارج.
في الوقت الذي بدأت فيه دول أوروبية تسيير رحلات لإجلاء مواطنيها أو تنظيم عودتهم من المنطقة مع اضطراب الطيران وإغلاق مجالات جوية عدة، كانت الهند، التي تقول بيانات حكومية إن أكثر من تسعة ملايين مواطن هندي يقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي، قد أنشأت غرفة عمليات خاصة لمتابعة الأزمة، وأعلنت في 7 مارس أن أكثر من 52 ألف هندي عادوا من الخليج بين 1 و7 مارس مع اضطراب حركة العبور والرحلات.
هذه الإجراءات تكشف عن حالة من القلق والترقب لاحتمال بداية موجة مغادرة أوسع للعمالة الأجنبية من الخليج إذا طال أمد الحرب؟
•هل سيتضرر النموذج؟
حين تبدأ الدول التي يأتي منها معظم العمال الوافدين إلى الخليج، مثل الهند والفلبين، في التفكير على هذا النحو، فهذا يعني أن الخطر اتسع ليمس البنية البشرية التي يقوم عليها الاقتصاد الخليجي. فدول الخليج لا تعتمد على العمالة الوافدة كعامل مساعد فقط، بل كقاعدة تشغيل شبه كاملة في قطاعات واسعة.
تشير منظمة العمل الدولية إلى أن العمالة المهاجرة تشكل ما بين 76 و95% من القوى العاملة في دول الخليج، وأن غير المواطنين يمثلون ما لا يقل عن 95% من العاملين في القطاع الخاص في قطر والكويت.
في الإمارات وقطر مثلا، يشكل الأجانب نحو 86.9% و88.2% من السكان على التوالي، وفي الكويت 70.1% بحسب بيانات برنامج الهجرة في أسواق العمل الخليجية.
لهذا يبدو روبرت موغيلنيكي، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، دقيقا خلال حديثه مع “الحرة” في توصيفه لاقتصادات الخليج بأنها “حساسة” لهذا السيناريو، “لكنها ليست معرضة للخطر بعد”.
وبحسب تقديره، فإن حكومات الخليج “ستفعل كل ما يلزم للاحتفاظ بالأشخاص في الصناعات والأدوار الاستراتيجية”.
ولا تتعلق المسألة هنا فقط بعدد العمال الذين قد يغادرون، بل بقدرة الحكومات على منع نزوح يصيب القطاعات التي لا يمكن تعويضها بسرعة، لأن أي نزوح واسع قد يصيب الاقتصاد والحياة العامة بالشلل.
وتوضح منظمة العمل الدولية أن العمالة المهاجرة في الخليج تتركز خصوصا في البناء والعمل المنزلي وقطاع الخدمات، وهي الوظائف التي يتجنب كثير من المواطنين شغلها لأسباب تتعلق بالأجور أو بطبيعة العمل.
ولهذا يرى موغيلنيكي أن الخطر الأكبر قد لا يكون في “خروج فوري” واسع، بقدر ما يكون في تعقّد التدفقات المقبلة: أي أن استقدام العمال الجدد قد يصبح أصعب وأكثر كلفة وأكثر ارتباطا بحسابات المخاطر الجيوسياسية.
وكما قال للحرة، فإن “التحدي الأكبر المحتمل سيكون أقل في الاضطراب الناتج عن التدفقات الخارجة الفورية، وأكثر في العقبات الجديدة المرتبطة بتعزيز التدفقات الداخلة مستقبلا”.
•العمالة وتأثيرها خارج الخليج
وتكشف الأزمة المحتملة للعمالة في الخليج عن جانب آخر من تداعيات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى. فالدول التي يأتي منها العمال الخليج، ستتضرر بشكل كبير أيضا، نظرا لما يوفره قطاع العمالة في الخارج من إيرادات.
في عام 2025، بلغت التحويلات الشخصية إلى الفلبين 39.62 مليار دولار، أي نحو 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقدّر البنك الدولي تحويلات الهند بنحو 129 مليار دولار في 2024، لتبقى أكبر متلقٍ للتحويلات في العالم، بينما سجلت بنغلادش 30.33 مليار دولار في سنتها المالية 2024-2025.
أما في نيبال، التي علِق بعض مواطنيها في مطار كاتماندو ولم يستطيعوا السفر إلى دول الخليج بسبب الحرب، فتُظهر بيانات البنك الدولي أن التحويلات عادت لتمثل نحو 26.2% من الناتج المحلي في 2024.
هذه الأرقام تمثل دخل أسر واحتياطي عملات وقوة شرائية، وليس من قبيل المبالغة أن البنك الدولي يرى في هذه التحويلات تدفقا يفوق، مجتمِعا، الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
•درس من غزو الكويت 1990
بعد غزو العراق للكويت عام 1990، أظهرت تقديرات مرتبطة بمنظمة العمل الدولية أن 1.5 مليون عامل ومعال كانوا قد فروا من العراق والكويت خلال شهرين فقط، بينما وثّقت تقارير أممية وحقوقية مرور مئات الآلاف من رعايا الدول الثالثة عبر الأردن وتركيا والسعودية، وساعدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في عودة أعداد كبيرة منهم.
وخسرت دول الاستقبال جزءا من قوتها العاملة، وخسرت دول المنشأ تحويلات كانت تموّل الاستهلاك والاستقرار، ثم احتاج النظام كله إلى وقت طويل حتى يعيد ترتيب نفسه.
وقد بدأت دول الخليج بالفعل منذ سنوات في بناء بدائل جزئية عبر نظام الإقامات الدائمة للأجانب أو سياسات التوطين للوظائف. وأعلنت السعودية في فبراير 2026 مرحلة جديدة من برنامج “نطاقات المطور” تستهدف توطين أكثر من 340 ألف وظيفة إضافية خلال ثلاث سنوات، بينما تواصل الإمارات إلزام الشركات التي تضم 50 موظفا فأكثر بتحقيق زيادة سنوية بنسبة 2% في توظيف المواطنين ضمن الوظائف المهارية.
لكن هذه السياسات صُممت لإعادة التوازن تدريجيا، لا لملء فراغ مفاجئ إذا تعطلت حركة ملايين العمال.