في توقيت متقارب هذا العام يمتنع ملايين البشر عن الطعام والشراب، مع تقاطع زمن الصوم لدى المسيحيين والمسلمين والبهائيين للعام الثاني على التوالي، في تزامن يلفت الانتباه إلى حضور تجربة دينية مشتركة لدى ديانات مختلفة.
التقاطع يطرح تساؤلات حول كيفية فهم الصوم لدى المؤمنين، وما إذا كانت التجربة الروحية المتقاربة تفتح مساحة تواصل بين أتباع ديانات متعددة.
مشير الخليدي، ناشط في مجال حقوق الإنسان، وهو مسيحي يمني يخوض تجربة الصيام الكبير في مصر، يصف الصوم بأنه «ترويض للنفس، وفرحة للخصوصية مع الله».

ويقول إن يومه لا يتغير كثيرًا من حيث العمل والروتين، معتبرًا أن التحول يرتبط بالحالة الداخلية، حيث تصبح العلاقة مع الله أكثر صفاءً وهدوءًا.
ويضيف أنه لا ينظر إلى الصيام بوصفه مشقة، ويتمسك بلحظة تناول الطعام مع الأسرة باعتبارها مساحة للتماسك الإنساني، مشيرًا إلى أن الصوم بالنسبة له علاقة تبدأ مع الله وتمتد إلى الناس.
وحول تزامن الصيام مع أتباع ديانات أخرى، يرى الخليدي أن ذلك يعكس «وحدة العلاقة مع الله»، ويخلق شعورًا بالقرب من الآخرين، مع الإشارة إلى وجود اختلافات في الفهم، مستذكرًا نقاشات مع بعض المسلمين اعتبروا صيام غيرهم بلا قيمة، وهو ما يربطه بالحاجة إلى حوار أوسع.
في كندا، يقدم خليل القدسي، استشاري جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، رؤية للصيام في الإسلام تجمع بين البعدين الديني والسلوكي، ويقول إن الصوم «تدريب للنفس قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام»، وفرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع الذات ومع الله.

ويشير إلى أن يومه خلال شهر رمضان يصبح أكثر هدوءًا وتأملًا، مع حرص على ضبط الكلام والتصرفات، رغم التحديات المرتبطة بمستوى الطاقة أثناء العمل.
ويعرف الصوم بوصفه علاقة بثلاثة أبعاد مترابطة تشمل العلاقة مع الله عبر العبادة، ومع النفس عبر الانضباط، ومع الناس عبر التعاطف، مؤكدًا أن اختزال الصيام في الامتناع عن الطعام يمثل فهمًا ناقصًا، في حين يمتد الصوم إلى تجنب الأذى والظلم.
وفي ما يتعلق بتقاطع الصيام، يقول: ذلك «تذكير بأن الصوم ليس حكرًا على دين واحد»، معتبرًا أن هذا التزامن قد يسهم في تعزيز الشعور بالتقارب الإنساني.
في الأردن، تصف المهندسة الزراعية سارة دودين الصيام في الديانة البهائية «مثل الشمس، والصلاة مثل القمر، والقمر يستمد نوره من الشمس».
وتوضح أن صيام شهر العلاء في التقويم البهائي، الذي يمتد لتسعة عشر يومًا، يمنح طاقة روحية تستمر طوال العام، مع تأثير يظهر في الأجواء العامة من خلال تعمق الصلاة والتأمل والإحساس بالقرب من الله.
وتقول إن التحدي يتمثل في الحفاظ على القيم المرتبطة بالصيام بعد انتهائه، مضيفة «أحاول أن أكون إنسانًا جيدًا دائمًا»، وتشير إلى أن الصوم يشمل العلاقة مع الله والنفس والناس، إلى جانب بعده الاجتماعي المرتبط باللقاءات وخدمة المجتمع.
وترى دودين أن تزامن الصيام مع ديانات أخرى «يخلق شعورًا جميلًا بالوحدة المشتركة»، ويفتح المجال للتعارف والحوار.
وتكشف الشهادات الثلاث عن تقاطعات في فهم الصوم، حيث يرتبط بالانضباط الذاتي، وتعزيز العلاقة مع الله، والانفتاح على الآخرين، مع اختلاف في التفاصيل المرتبطة بكل تجربة دينية.
وفي المقابل، تظهر تحديات مرتبطة بالصور النمطية وسوء الفهم المتبادل، والتي قد تنعكس أحيانًا في النقاشات اليومية، في وقت يوفر فيه التزامن فرصة لطرح هذه الفوارق ضمن سياق حواري أوسع.
في السياق اليمني، يأتي هذا التزامن في ظل بيئة تعاني من انقسامات متعددة، ما يمنح هذه التجربة المشتركة بعدًا إضافيًا على مستوى الإدراك الاجتماعي، في ظل اشتراك أفراد من خلفيات مختلفة في ممارسة دينية متزامنة.
وتشير هذه التجارب إلى أن الصوم، رغم اختلاف أشكاله، يرتبط بجوانب مشتركة تتصل بتهذيب النفس وتعزيز القيم الإنسانية، مع استمرار الحاجة إلى توسيع مساحات الفهم المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة.